دخول

تلعثم الأطفال (التأتأة).. الداء والدواء

موقع مفكرة الإسلام
 لقد كان الأمر غير متوقع بالنسبة لي، فقد ظهر جليًا أن ابني يعاني من التعثر في النطق والكلام "التلعثم"
إنني أظل أتألم وأنا أتابعه، أشعر به وكأنه يعاني بشدة حتى تخرج الكلمات من لسانه..!
فهل لهذه المشكلة من حل؟ وهل يأتي يوم ينطلق فيه لسانه؟
 
عزيزي الأب، عزيزتي الأم
 
نعم إن لكل داء دواء إن شاء الله تعالى، ولكنه ليس دائمًا داء، بل أحيانًا يكون التلعثم جزءًا من تطور المهارات الخطابية في مرحلة الطفولة المبكرة، تخبرنا الإحصائيات أن 5% من جميع الأطفال الصغار يمرون بفترة وجيزة يتلعثمون فيها عند تعلم الكلام، وأن 80% من الأطفال المتلعثمين في مرحلة الطفولة لا يتلعثمون وهم راشدون، وتنطلق ألسنتهم بالنطق السليم.
ولكن دعونا أولًا نتعرف على مشكلة "التلعثم" كواحدة من أشهر مشكلات اللغة واضطرابات الكلام عند الأطفال.
 
يعرف التلعثم أو التأتأة Stuttering بأنها :
اضطرابات كلامية تتجلى على شكل تقلص الكلام مصحوبة بتكرار غير مرغوب، ووقفات في مجرى الكلام، وتكون على شكل ترددي (Clonic)، أو تشنجي (Tonic). كما يوصف بأنه:
عدم وجود سيوله في خروج المقاطع الأولى من الجمل.
أعراض التلعثم:
يُلاحظ ظهور التلعثم عادة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و 6 سنوات، وتبدو أعراضه في صورة التصرفات التي قد تنطوي على تكرار الأصوات أو الكلمات، إطالة الأصوات، التردد، وتجنب أو استبدال الكلمات. وأحيانًا يصاحب تلك الأعراض تشنجات في عضلات الوجه أو الرمش بشدة في العين، أو رعشة في الشفتين والوجه، أو هز الرأس. [مشكلات الأطفال النفسية والسلوكية، د.أحمد محمد الزعبي، ص(167) بتصرف].
وقد يترتب على مشكلة "التلعثم" عدة آثار:
 
- الانطوائية: يتجنب الطفل كل المواقف التي تتطلب الكلام، فلا يسأل أثناء وجوده في الفصل الدراسي وإن سُئل يقول "لا أعرف" حتى وإن كان يعرف الإجابة، مما يؤدي إلى شعوره الداخلي بالوحدة وشعور من حوله من زملائه ببعده عنهم وانطوائيته، التي تزداد يومًا بعد يوم.
 
- اضطراب السلوك الاجتماعي للطفل: حيث يشعر الطفل المتلعثم بأنه أقل من جميع من حوله، فيظن أن كلامه ربما لا يقبل ممن حوله أو أن أسلوبه في معالجة القضايا ربما يقل كفاءة عن أساليب الآخرين.
 
- الخوف من كل مجهول: نتيجة لخوف المتلعثم المتكرر من المواقف التي تتطلب الكلام، فإنه وبعد فترة يخاف من كل موقف جديد، لشعوره أن هذا الموقف ربما يتطلب منه الكلام حتى وإن لم يكن كذلك.
 
أسباب حدوث التلعثم أو التأتأة لدى الأطفال:
يصف أخصائي النطق وخبير علم النفس الإكلينيكي "جوزيف شيهان" التلعثم بأنه: "كجبل الثلج لا يبدو منه إلا جزء صغير فوق سطح الماء بينما معظمه مغمور تحت سطح الماء، وهذا فعلا هو التلعثم لا يظهر منه إلا كونه عيبًا في النطق مع أنه يشمل انفعالات وأحاسيس أكبر من ذلك بكثير، قد يرجع إليها السبب في تلعثم الطفل أو زيادته واستمراره".
مما يجعلنا نهتم ببحث ومعرفة الأسباب التي قد تكمن وراء إصابة الطفل بالتلعثم، ومن ثم نشرع بالعلاج، وهذه الأسباب لا تعدو واحدًا من:
 
1ـ الأسباب العضوية:
إن عوامل النطق الصحيح وسلامته تتطلب من الناحية العضوية سلامة الأذن التي تستقبل الأصوات، وسلامة الدماغ الذي يحلل الأصوات؛ ولذلك فإن أي خلل في الدماغ، أو في سلامة أجهزة النطق واللغة قد يؤدي إلى اضطرابات لغوية متعددة أحدها التلعثم، فقد تنجم التأتأة مثلًا عن خلل في الجهاز السمعي عند الطفل مما يؤدي إلى إدراك الكلام بشكل خاطيء، أو تأخر في وصول المعلومات المرتدة نتيجة الضعف في السمع.
 
2- أسباب نفسية:
- الجدال العنيف وتوفر أجواء القلق والتوتر في البيت قد تكون سببًا في تلعثم الطفل، فالقلق يفقد الطفل المتلعثم السيطرة على التوازن الدقيق للعضلات التي تتحكم في عملية الكلام.
- ونلاحظ أن خوف الطفل من أن يبدو بطيئًا أو بليدًا، وكذلك خوفه من انتقادات الآخرين يجعله يتوقع أنه لن يتكلم بشكل جيد، ويعتقد أن عدم تعبير الطفل عن مشاعر الغضب ومنعه من البكاء أو التعبير عن رأيه أو احتياجاته يعتبر سببا رئيسيًا للتلعثم.
- إذا كان الطفل يتكلم جيدًا ثم يتلعثم أو "يتهته" فهذا العرض يسمى في الطب النفسي "تهتهة نفسية" بمعنى أن التلعثم يرجع هنا على سبب نفسي، مثل انتهاج أساليب القسوة وعدم احترام ذات الطفل في تربية الطفل بكل صورها وتطبيقاتها مثل: الضرب المبرح، والصوت المرتفع ومخاطبة الطفل بانتهاره غالبًا، التحقير والسخرية، وعقد المقارنات بين الطفل وأقرانه.
 
3- أسباب بيئية:
- يكون تأثير البيئة في كثير من الأحيان أقوى وأشد من الأسباب النفسية والعضوية، فكلما كانت الأسرة فقيرة ثقافيًا، أو كانت علاقة الطفل بوالديه مضطربة، أو كان الطفل يتلقى أسلوبًا متطرفًا في التربية (قسوة شديدة أو تدليل زائد) كلما أدى ذلك إلى وجود اضطرابات لغوية لديه كالتلعثم وغيره. 
 
- إجبار الطفل على الكلام مبكرًا قبل نضجه- كما يحدث مع الطفل في عامه الثاني أو الثالث- يسبب له توترًا يؤثر على سلامة نطقه.
 
- سماع الطفل للأقوال التي تبعث على القلق والتوتر من والديه أو المحيطين به مثل:"تحدث ببطء أكثر فأنت تتلعثم" أو "كفاك تمتمة وتلعثمًا وكن حذرًا أكثر عندما تتكلم".
 
- اعتياد الوالدان وصف الطفل بالمتلعثم قد يؤدي إلى تقبله لذلك الوصف بل قد يصبح أكثر تكرارًا للتلعثم.
 
- قيام الأم بالتحدث نيابة عن طفلها وهو صغير مع قضاء حاجاته كلها، يجعل نمو الكلام عنده غير ضروري. [مرشد الآباء والأمهات لعلاج أصعب مشكلات الأبناء، محمد سعيد مرسي، ص(46)].
 
وإليكم أعزائي المربين أهم وسائل العلاج الفعال للتغلب على تلعثم الأطفال:
 
- الاهتمام مبكرًا بتحفيظ الطفل القرآن الكريم مجودًا لتدريب فكه على نطق الحروف نطقًا سليمًا، وإخراج كل حرف من مخرجه السليم، فحفظ القرآن من أقوى تنمية القدرات اللغوية للطفل، ومن أسباب تقويم لسانه وسلوكه معًا. [تنمية المهارات اللغوية لدى الطفل، سهيلة زين العابدين، ص(53)].
 
ـ الأم هي أهم شخص يرتبط به الطفل وتتأثر به لغته داخل الأسرة، لأن اللغة هي وسيلة التفاهم بينهما التي يعبر من خلالها الطفل عن حاجاته، ويتلقى من خلالها التعليمات؛ لذلك يقع على الأم عبء كبير في الأخذ بالوسائل العملية الخاصة بأسلوب التخاطب والتلقين البطيء مع الطفل والذي يعتبر من أهم خطوات العلاج، كذلك ننصح الأم بضرورة التكلم الدائم والبطيء مع طفلها وهي تنظر إليه مباشرة مقبلة عليه بوجهها بحيث يرى فمها وهي تحدثه.
 
- استشارة أحد الأخصائيين أو المتابعة مع أحد مراكز السمع والكلام حيث يتوار للطفل ما يلزم من تدريبات أو عقاقير أو أجهزة خاصة تساعده في علاج مشكلته بشكل أسرع وأفضل، إلى جانب الالتزام بتعليمات المعالج والقيام بالتدريبات المنزلية بانتظام .
 
- التركيز على منح الطفل الأمان والهدوء النفسي من خلال جو أسري مستقر، وتوصيل مشاعر الحب والقبول التي تعيد تحافظ على ثقته بنفسه وتمحو ما قد يعتريه من شعور بالنقص، ويتأكد هذا الأمر إذا كان التلعثم قد أعقب صدمة نفسية مثل موت قريب أو التعرض لحادث.
 
- في حالة "التهتهة النفسية" لابد من إغداق الحنان والحب على الطفل كي تثبت له أنك تقبله وتحبه رغم مشكلته الشخصية، ركز أكثر على الأفعال الإيجابية التي يقوم بها أكثر من تركيزك على طريقته في الكلام، مع الإيقاف الفوري لكل ممارسات القسوة والعنف.
 
- إتاحة المجال أمامه للتعبير عن مشاعره وما يريد بحرية، وتلقي ذلك بسعة صدر، مبتعدًا بذلك عن أساليب الكبت في التربية بأي صورة من الصور.
 
- تستطيع ـ عزيزي المربي ـ أن تقلل من سرعة طفلك في التحدث وتقلل من توتره أو تلعثمه عندما تنتظر قليلًا قبل إجابته أو التواصل معه في الكلام؛ ليكون أكثر هدوءًا فيما بعد، وليعلم أنك لا تلاحقه الكلام أو تنتظر سرعة إنهائه الحديث لكي تتكلم أنت. [مرشد الآباء والأمهات، محمد سعيد مرسي، ص(49)].
 
- تحدث ببطء مع طفلك ولا تقاطعه أبدًا أو تستعجله واطلب من إخوته أن يتبعوا نفس الأسلوب في الحديث، فإن ذلك سيساعده كثيرًا .
 
- (السخرية ممنوعة تمامًا) اجعلها قاعدة عامة في أسرتك، ولا تسمح لقريب أو غريب أن يتدخل في طريقة الطفل في الكلام أو تعديله، أو أن يسخر من مشكلة طفلك.
 
- درب طفلك على التحدث بطلاقة من خلال تقطيع الجملة التي تقولها لطفلك لأن هذه الطريقة أيسر على الطفل أن يقلدها، كذلك من خلال الاشتراك معه في إلقاء نشيد في نفس الوقت. [مقال: أساليب التغلب على تلعثم الأطفال، د.آمال حسين قملو،جريدة الرياض، عدد يوليو2007 بتصرف].
 
- اعمل على تنمية مواهب الطفل خلال الرسم والتلوين أوالفك والتركيب بحيث تشغله وتبعد تفكيره عن تحسين الكلام والإحباط الناتج عنه.
وأخيرًا عزيزي المربي..
تذكر أن لكل مشكلة حل، وأن طفلك لا ذنب له في إصابته بأي مشكلة أو مرض، وإنما ابتلاء الطفل هو في الحقيقة ابتلاء لوالديه، ومشكلة التلعثم ستحتاج منك إلى كثير من الصبر وكثيرًا جدًا من الحب، والعزيمة على الأخذ بيد ولدك نحو العافية ..متوكلًا في أمرك كله على الله سبحانه، سائلًا إياه أن يطلق لسان ولدك بذكره وما يحب ويرضى.

مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟