دخول

العبادة المنسية

موقع مفكرة الإسلام

إنها عبادة منسية، بعض الناس يقوم بها، وأكثر الناس لا يهتمون بها.
ولا أبالغ إن قلت أن هناك من هجرها كلية، رغم ثوابها الكبير، وهي في ذات الوقت لا تتطلب منكِ كثير جهد، ولا طويل وقت.
إنها صلة الرحم ... تلك العبادة التي أولاها النبي صلى الله عليه وسلم اهتمامًا كبيرًا، ولكن دعيني أسألك:
منذ متى كانت آخر زيارة منكِ لأقارب والدكِ أو والدتكِ؟
هل هناك خال أو خالة، عم أو عمة لم تري أحدهم من فترة طويلة؟
أرى أن هذين السؤالين قد يجعلانكِ تقفين مع نفسكِ وقفة جادة، وتتسائلين: هل أنا حقًّا مقصرة في هذه العبادة؟!

وقفة:
لا يفوتكِ بالطبع، أن حديثي عن هذه العبادة المنسية قد اخترته لكِ في مثل هذا الوقت من العام، بعد انتهاء الامتحانات وأيام المذاكرة، ومجيء الإجازة، حيث يسهل عليك أن تقومي بهذه الصلة بيسر وسهولة؛ فتغتنمي وقتكِ وترضي ربكِ وتنالي الكثير من الثواب.
صلة الرحم لماذا؟
لاشك أن لصلة الرحم الكثير من الفوائد والآثار، ولكننا لن نتناول العائد الديني من الثواب والخير فقط، بل سنضيف إليه أيضًا أثر هذه العبادة على الفرد من حيث الناحية النفسية ونضجه؛ حتى نحقق الخير والفلاح في الدين والدنيا معًا.

أولًا ـ مكانة غالية:
وردت إلينا الكثير من آي الذكر الحكيم التي تحض على صلة الرحم والإحسان إلى ذي القربى ومراعتهم؛ كما جاء في سورة النحل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90]، حتى بلغ من مكانة الرحم أن قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (قال الله: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) [صححه الألباني].
فبلغت مكانة صلة الرحم أن اشتق الله تعالى لها اسمًا من اسمه؛ من أجل ذلك كانت الجزاء بجنس العمل، فمن وصل رحمه؛ بارك الله له ووصله.

ثانيًا ـ حب الله تعالى:
لا تعجبي، فقد أتانا نبأ ذلك الحديث الجميل الذي يقصُّه علينا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا فقال: (أين تريد؟)، قال: (أريد أخًا لي في هذه القرية)، قال: (هل لك عليه من نعمة تربها؟)، قال: (لا، غير أني أحببته في الله)، قال: (فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) [رواه مسلم].
فاستبشري يا واصلة الأرحام بمحبة من الرحمن.

ثالثًا ـ يأكل الذئب من الغنم القاصية:
هذا حديث شريف، بيَّنه الذي لا ينطق عن الهوى، محمد صلى الله عليه وسلم، حينما نصحنا وأصحابه الكرام: (فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) [صححه الألباني]، فدومًا في الاجتماع قوة وفي الفرقة ضعف.
فأنتِ بصلتكِ لرحمكِ تقويين من أواصر العلاقة مع أهلك وعائلتكِ أكثر؛ فمن ثَم تصبحين معهم كالأسرة الواحدة الكبيرة، إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

(فإن المجموع دائمًا أقوى من الفرد، حيث أن الجهد الجماعي يأتي عادة بمحصلة أكبر كثيرًا من مجموع قدرات كل فرد على حدة، ولعلك تذكرين قصة الأب الذي أراد أن يدلل لأبنائه على أهمية التعاون بينهم فأعطى كلًّا منهم عصا ليكسرها فكسرها، ولكن عندما وُضعت هذه العصي كلها في حزمة واحدة لم يستطع أن يكسرها أحد.

إننا لا نعيش وحدنا في هذه الحياة، ولكن هناك دائمًا آخرون، فإما أن نتنافس ونتباغض فنشقى ونضعف جميعًا أمام الآخرين الذين سيتعاونون معًا فتكون فرصتهم للنجاح أكبر منا دائمًا، وحيث أنه ـ باستثناء الأنبياء ـ لا يوجد إنسان كامل، فإن ما ينقصني من مواهب وقدرات قد يكون موجودًا لديك والعكس صحيح.

فالتعاون الخلاق بين الأفراد لا يعني أن 1+1=2، بل يعني أن 1+1=3 أو 4 أو 5 أو أكثر من ذلك ... أي أن التكامل والتعاون يخلقان نتائج وفرصًا جديدة ربما لم يتوقعها أحد من قبل في جميع المجالات) [العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، ستيفن كوفي، بتصرف].
 

رابعًا ـ الحاجة إلى الانتماء:
لو تعلمين أخيتي أن صلة الرحم مع ثوابها وفضلها فهي أيضًا تلبي لدى الإنسان حاجته إلى الانتماء، فهذه حاجة ملحة يسعى الإنسان دومًا لتلبيتها عبر تكوين العلاقات سواء مع الأصدقاء أو الأقارب.
(فقد قَسَّم عالم النفس "ماسلو" الحاجات الإنسانية إلى خمس حاجات، وهو ما له الأولويات لدى الإنسان، وتتدرج تلك الحاجات في الهرم وفق أهميتها، ولا يمكن أن تتحقق حاجة منها قبل التي تسبقها) [أميرة في الجامعة، هيام محمد يوسف]، وجعل الحاجات الاجتماعية في المرتبة الثالثة من الهرم.
والحاجات الاجتماعية (كحاجة الفرد للانتماء إلى جماعة وأصدقاء يبادلونه الود والحب) [سحر الاتصال، محمد أحمد العطار، ص(26)]، (والإنسان اجتماعي بطبعه، والتعارف بين الناس وما يترتب عليه من مصالح عظيمة في تعاونهم وتزاوجهم وتآلفهم أمر قائم مشهود) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(61)].

وأيضًا (يُعدُّ القبول مطلبًا نفسيًّا واجتماعيًّا لا يستغني عنه الإنسان، فالفرد في وسط البيئة الأسرية والاجتماعية يسعى للحصول على الرضا والمحبة والتقدير من الآخرين، ويكره أن يستهين به الآخرون، أو أن يحقروه، ويحس بألم وضيق نفسي من جراء ذلك، ويسعى لتلافيه ما استطاع) [المراهقون، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(59)]، لذلك فالواحدة منا حينما تسعى إلى الحصول على القبول فسيكون سبيلها إلى ذلك أولًا هي العائلة التي نشأت وترعرت فيها.
 

خامسًا ـ النضج العقلي والنفسي:
مما لاشك فيه أن الجلوس مع الآخرين والحديث معهم يفتح للعقل وللنفس آفاقًا واسعة، فأنتِ بحديثكِ مع الآخر تعيشين حياة أخرى كاملة، بكل تجاربها وخبراتها، في ظرف سويعات قليلة، فتأخذين حصاد هذه السنين الطويلة.
وتزداد الفائدة بكون هؤلاء الأقارب ـ في الغالب ـ أكبر منك سنًّا وشأنًا؛ والإنسان دائمًا ما يحاول أن يقلد من يحتك به، فكذلكِ إذا جالست الكبار سهل عليك أن ترتقي لنفوسهم بالإضافة إلى خبراتهم.
وتتعاظم الفائدة أكثر وأكثر إن كان هؤلاء الأقارب يعيشون حياة مختلفة عن أسرتكِ؛ أي يعيشون في حي آخر، أو يشتغلون بوظائف مختلفة ... وهكذا؛ فمن ثم تتنوع التجارب لديكِ.
(فعندما نتناقش أو نتواصل مع الآخرين بطريقة خلَّاقة، فإننا نفتح عقولنا وقلوبنا لإمكانات وبدائل جديدة ربما لا نكون قد فكرنا فيها من قبل) [العادات السبع، ستيفن كوفي].
 

معوقات وحلول:
أخالكِ الآن قد امتلكتِ الرغبة المشتعلة تجاه هذه العبادة المنسية، ولكن حتى لا يصطدم حماسنا على صخرة الواقع، هذه بعض المشاكل التي قد تعرض لكِ أمام هذه العبادة وقد أرفقت معها حلولها.
 

أولًا ـ دوامة الحياة:
كل واحدة منا تعيش في دوامة الحياة، ما بين كلية أو مدرسة، وامتحانات في نصف العام وآخر العام وخلال الدراسة، ومذاكرة وتعب، بالإضافة إلى مشغوليات البيت والأسرة، خلافًا عن الأمور الأخرى.
ولكن لو عاش الإنسان حياته هكذا منجذبًا لدوامتها؛ لفقدت معيشتنا قيمتها، بالإضافة إلى فقد جوار الآخرين ومعونتهم وتأييدهم.
وسلي نفسكِ حقيقة: إن كانت الدراسة تشغلني هكذا عن أقاربي، فماذا سأفعل بعد إضافة مهام الزواج والأطفال ورعايتهم؟ هل سأترك حينها زيارة أبي وأمي؟!

أخيتي؛ حتى وإن كثرت عليكِ الأعباء والأشغال فلا تنسي أقاربكِ أبدًا، فخصصي حتى ولو يومًا واحدًا كل أسبوعين أو أسبوع لزيارة أحد الأقارب ... وهكذا، ولكن لا تغفلي هذه العبادة أبدًا.
 

ثانيًا ـ بعد المكان:
قد تقول واحدة: (إن عمتي تقطن في حي بعيد أو بلدة أخرى)! وتقول ثانية: (إن أبي وأمي مشغولان دومًا، فلن أتمكن من زيارة أقاربي إن انتظرتهما)!
عزيزتي، لو تيسر لكِ الذهاب لزيارة أقاربك بدون والديك ـ لقربهما من بيتكِ ـ فبها ونعمت، ولكن إن تعذر ذلك لبعد المكان أو ما شباه، فلا أعتقد أن رفع سماعة الهاتف وإجراء مكالمة بسيطة، تطمئنين فيها عليهم وتسألين عن أحوالهم، لست أظن أن ذلك مما يشق عليكِ.
فإن لم تكن زيارة، فاجعليها مكالمة، لن تكلفكِ التعب ولا المال، ولن تأخذ من وقتكِ أكثر من خمس دقائق.

ثالثًا ـ الخلافات العائلية:
(إن أمي في خلاف مع خالتي من عام كامل، ومن حينها لم أرها ولم ترني)!!
أرى أن هذه الشكوى قد تكون متكررة مع الكثيرات، أبي في خلاف مع عمتي، أو أمي في خلاف مع فلانة ... وهكذا، ولكن حقيقة لا يمنعكِ ذلك أبدًا من صلة رحمكِ، فالخلاف أصلًا ليس معكِ وإنما مع والديكِ، فاطلبي من أبيك وأمكِ أن يخرجوكِ من هذا الخلاف، وحل هذا الأمر يكون من ناحيتين.
 

الناحية الأولى: وهي الناحية الشرعية، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو مثل شكايتك فقال: يا رسول الله،إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال: (لئن كنت كما قلت؛ فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) [رواه مسلم] أي مادمت تصلهم أنت وتبرهم.

ونصحنا الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان نبوي آخر؛ فقال: (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) [رواه البخاري] أي الذي ينال ثواب الوصال هو من يصلها إذا قُطعت.

أما الناحية الثانية: وهي الناحية الاجتماعية، فاعلمي أن كسب حب جميع الناس من المحال عرفًا وعقلًا.
إن (كل شخص يود أن يكون محبوبًا، ومقبولًا، وأعلم أنني أيضًا كذلك، وأراهن على أنكِ أيضًا تريدين ذلك، ولكن مما يدعو للسخرية أن هناك شيئًا ما سيكرر نفسه، وهو أنه لن يوجد هناك أبدًا الوقت الذي سيحبنا فيه الجميع أو سيقبلوننا فيه ... فسوف يكون هناك من لا يحبونك لأي سبب كان) [لا تهتم بصغائر الأمور للمراهقين، د.ريتشارد كارلسون، ص(30)].
ولكن لا يمنعكِ عدم حبهم من وصلهم والبر بهم؛ فإننا (جميعًا في سفينة واحدة بغض النظر عن هويتك أو ماذا تفعلين) [لا تهتم بصغائر الأمور، د.ريتشارد كارلسون، ص(30)].


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟