دخول

غلاء المهور والتجارة المربحة

مجلة أقلام الثقافية

حدد الدين الاسلامي طبيعة العلاقات بين البشر , ومن هذه العلاقات ما يربط المرأة بالرجل من أجل التناسل وقف عقد شرعي يحدد الطريقة التي تربط بين الطرفين . ويقول الله تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" . وعند التدبر نرى ان المودة و الرحمة هي نتاج هذا الارتباط المقدس بين الجنسين .

وهنا أتطرق الى الرحمة , الرحمة يا أمة على أبناء المسلمين , فعندما يهُُم اي شخص بالزواج اول ما يتطرق إلى ذهنه المهر الذي يشكل عبئا كبيرا أمام تاسيس عائلة و لا سيما ان المقبلين على الزواج تكون خطاهم قد بدأت للتو بالانتاج , ولكن للأسف صار المهر مسالة برجوازية ومفهموم مغلوط لدى الناس . ولا نـُخفي حقيقة ان بعض ولاة أمر النساء يتصرفون بهذا المهر إن لم يكن كله فغالبيته , ولا تحظى المرأة الا بالقليل من ذلك , فصارت هذه المسألة يـُتاجر بها واصبحت تجارة مربحة لدى الكثيرين .

هنا أطرح تساؤلا هاما , هل يتم تثمين بنات المسلمين وفقا للمهر وقيمته ؟؟ هل بنت فلان اذا طلبت مهرا اضعاف مهر بنت أخرى تكون أعز منها مقام و مقدرة ؟؟ فهل أصبحت المرأة سلعة يتجر بها منها البضاعة الكاسدة التي يــُطلب من أجلها القليل , ومنها بضاعة أصلية أخذت شهادة المواصفات الآيزو لكي تــُلبس من رأسها الى أخمص قدميها بالذهب و الحرير ؟؟

سمعت مرة تفسير تافه لهذه المسالة وهو أن المهر يعبر عن عادات عريقة تعكس احترام الطرف الآخر أمام ألسن الناس , فالجارة الفلانية للعروس ستبدأ بتحريك اللسان ونشر قيمة المهر المطلوب , وهذا هام جدا من أجل حفظ سمعة عائلة العروس الحبيبة , ويرفع من قدر العريس أيضا في عين الحما و الحماة .

مسخرة ما بعدها مسخرة , متى صارت سمعة الانسان تــُقاس وفقا للمجاملات التافهة و الألوف بل عشرات الألوف من الدنانير التي تــُغدق بها العروس ؟

وهنا نقطة بالغة الاهمية , عندما يتشرط أهل العروس على العريس بشقة مفروجة و أثاث مــُفتخر و مهر مقدمه و مأجله الالوفات و ذهب وغير ذلك , هل نسيوا ان هذا الرجل سيعيش مع ابنتهم المصونة وفق رزق الله تعالى و توفيقه ؟؟ فالله يقلب الاحوال , يوم لك ويوم عليك , فربما ولعل تمر أيام عجاف على هذا الرجل لا يستطيع توفير ما تشتهيه النفس , وأيضا لعلها تمر ايام رزق وفير توفر له و لأسرته حياة كريمة .

الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " أقلكن مهرا أكثركن بركة " فأين تطبيق المسلمين لحكم الرسول الذي هو أسوة للمسلمين من رجال و نساء ؟؟ حديث واضح وصريح ان المرأة لا تكون مباركة بكثرة المهر . بل العكس هو المفهوم قطعا , فهل هذا يجوز يا ابناء المسلمين ؟؟؟

الألفة و المحبة لا تــُشترى بالنقود و المادة , بل هي علاقة تربط طرفين جعلت من روح المرأة و الرجل جزءا واحدا , وتسكن انفاسهم سكن الطمأنينة و المحبة على أساس الألفة و المودة لا الذهب و الفضة . وقد حث الدين الاسلامي على من يخاف الله وذات الدين من النساء و الذين يتقون النساء من الرجال .

ولا أظن أن الرفق بالقوارير يكون وفق المال و الذهب و الألماس , بل هو الرفق بالقوارير بطبيعتهم الانسانية , الرفق عند الخطا , وخفض جناح الرحمة , وتفهم الطرف الآخر , بذلك هذه القارورة لن تــُكسر أبدا , بل ستكسر لا محالة اذا كان البيت يغرق بالذهب و الاموال ولكن يفتقر للمحبة المتبادلة .

أذكر مرة أن رجلا جاء بصحبة ابنته الى عيادتي , وتبين أن ابنته تعاني من التهابات في عصب الاسنان في أكثر من سن , ولكنها كانت تعاني من التهاب شديد في سن هو الذي حملها على الحضور . وقلت لأبيها ان من الضروري معالجة كل أسنانها بدون انتظار , فهي لم تبلغ من العمر الخامسة عشرة , واذا لم يتم معالجة الاسنان سيؤدي ذلك الى آلام حادة كل أسبوع , وستعاني من ضعف جسدي بسبب الالتهابات التي ستتكرر دوريا كل أسبوع , ولكن جاءني جوابه كصاعقة مؤلمة حيث قال : " أنا مــُش مجبور باسنانها , لما ييجيها العريس يساويلها اسنانها "

يعني أتساءل هنا : ما هي طبيعة علاقة هذه البنت بأبيها ؟؟ أين الحب الفطري الأبوي الذي يجب ان يكون مزروعا في قلبها وفق حنان الاب و رعايته ؟؟

المهم تجرعت هذه الكلمة , وبدأت فورا بعلاج أسنانها كلها , ولاحظ الاب ان الوقت يمر ولكني لم أنتهي بعد , بعد أن انتهيت قلت له : " قمت بمعالجة جميع الاسنان التي تعاني منها , وأجري على الله لن أطالبك بشيء بدون نفس , ولكن ما تخلفوا و تزتوا" , طبعا توقعت أن يثور الرجل في وجهي غضبا , ولكني دائما أقول ما يدور في خلدي إن كان حقا ومحبوسا بمرارة , ولكنه صمت ولم يعلق , وبعد يومين أتتني ابنته تدفع كلفة العلاج كاملة .

هذه الحادثة تدل على مفاهيم مغلوطة وناقصة لدى البعض بأن البنت عبارة عن بضاعة غير مربحة وغير منتجة لأنها ستخرج الى بيت غير البيت الذي وُلدت فيه , ولكن مع ذلك يتم تسعير هذه البنت عند الحديث عن المهر , فتصبح هذه البنت " حبيبة أبوها و غالية ومهرها غالي , والغالي بسوا غالي " نفاق و العياذ بالله .

هنا أختم قائلا : الرحمة بأبناء المسلمين , ويجب ان نتقي الله في بناتنا , و أن لا نجعل منهم سلعة نــُتاجر بها , ولكن هذا لا يعني عدم إكرام المرأة و إلباس المرأة الجميل من الثياب و الذهب و إسكانها مُسكنا يُريحها ويجعل منه ملاذ الراحة و بيت زوجية يحفظ مكانتها , ولكن الرأفة مطلوبة , والصحبة الطيبة لا تُقاس بكثرة الذهب و المال , بل بالمحبة و العشرة الطيبة .


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟