دخول

دروسٍ أساسية للنجاح في عالم المفاوضات [2]

مجلة إبداع

عزيزي القارئ: في الجزء الماضي من هذه المقالة بدأنا استعراض هذه القائمة بأهم عشرة دروس من دنيا التفاوض مستمدة من تجربة المفاوضين المخضرمين وأبحاث الأكاديميين المتخصّصين.

لا يُقصد من هذه اللائحة أن تكونَ نافذةً تنوب عن الشمس وإنّما يُقصد أن تكون نافذةً تدلُّ على الشمس ونقطة ارتكاز تيسّر لكل المهتمّين معرفةً من أين يبدؤون وكيف يتقدّمون في توسيع معرفتهم وفهمهم لجوانب عملية التفاوض، ومعرفة عمّ يسألون وكيف يسألون عندما يحتاجون إلى مشورة ونصيحة خبراء التفاوض.

تناولنا في الجزء الماضي خمسة دروس ونتابع الآن مع:

6- تطلّع دائماً إلى إيجاد فرصٍ مشتركة
لا تفكر في العبور فكر في بناء جسر
إنّ عملية التفاوض ليست مجرد حلّ مشكلات مشترك. إنني لا أنفي أبداً أنّ التفاوض يساعد في حل المشكلات المطروحة على الطاولة، ولكنني أقول إنّ هذه رؤية محدودة لما يمكن أن يؤدّي إليه التفاوض.

إنّ تعريف التفاوض على أنّه حل مشكلاتٍ مشترك يضفي عليه سمة التركيز الانحصاريّ على إزالة المشكلة، وهو ما يعني تعلّقه بالماضي أو الحاضر. لكن عندما ننظر إلى التفاوض كبحثٍ عن الفرص فإنّ التركيز سيكون انفتاحياً وهو ما يعني توجّهه إلى المستقبل.

ولبّ المسألة إذاً هو توفّر الدافع نحو الاستكشاف المشترك لنطاقٍ واسعٍ من الفرص استكشافاً لا يتوقف عند إزالة المشكلة المطروحة على الطاولة، بل يميط اللثام عن الفرص المحتملة التي يمكن استغلالها استغلاً مشتركاً. من منظور البحث عن الفرص يصبح التفاوض تفاعلاً إبداعياً هادفاً إلى أكثر من مجرّد إزالة المشكلة.

تذكّر:
- إن النظر إلى التفاوض كأداة حل للمشكلات لا غير يمحو إمكانية التسامي عن حدود المشكلة واستخدامها كحافز لتوليد اتفاقات جديدة مولّدة لقيمة إضافية.

- النظر إلى التفاوض كأداة استكشاف للفرص يلزم المتفاوضين بمقاومة انغلاق الأفكار المبكر، وبالتفكير المنطلق خارج الأطر التي تعوّدوا العمل ضمنها.

- بينما ينصرف منظور حل المشكلات إلى التعامل مع ما كان (في الماضي) أو مع ما يجري (في الحاضر) يركّز منظور التنقيب عن الفرص على ما لم يقع حتى الآن (المستقبل).

إن التفاوض ليس تصليحاً للماضي أو الحاضر بل هو في جوهره بحثٌ عن أين وكيف يمكننا العيش والازدهار في المستقبل.

7- التفاوض عملية معمّرة متكرّرة وليست حدثاً عابراً منقطعاً:
بغضّ النظر عن الاستثناء الوحيد ربما (شراء المسكن أو بيعه) فإن التفاوض في كل الأحوال يبقى عمليةٌ معمّرة. في معظم التعاملات في دنيا الشركات نادراً ما تجدُ التفاوض بين الأطراف ينتهي مرةً واحدة، بل هناك عنصر استمراريّة نجده في كل الأحوال مثل: تقييم أداء أطقم العمل، أو الدخول في تعاقدات مستقبلية، أو مفاوضة الرواتب والأتعاب...إلخ

ما يعنيه الكلام السابق أساساً هو أن المفاوضين يحتاجون إلى الوعي الدائم بأهمية أن لا تؤدّي طريقة مفاوضاتهم الحاضرة إلى الإضرار بالمفاوضات الآتية مستقبلاً.

قد يجدُ المرء في مفاوضةٍ معينة أن افتراس الطرف الآخر متاحٌ ومحقق لمصالحه تماماً ولكن لا! إذ ينبغي على المرء أن يدرك أيضاً أن هذا الطرف المستضعف الآن لن يوفر فرصةً للانتقام المضاعف في المفاوضة الآتية لا محالة. إن المكسب المنجز بتجاهل حقيقة أن الفريقين سيلتقيان على طاولة التفاوض مستقبلاً سرعان ما يصبح عبئاً ثقيلاً.

حتّى يحقق التفاوض مزيداً من الربح الحقيقيّ فإنّه لا بدّ من أن يبقى كل المتفاوضين واعين على الدوام لتأثير إستراتيجياتهم وتكتيكاتهم على العلاقة بين الأطراف المتفاوضة. إنّ هذا الوعي الدائم يمنع المفاوضين من افتراس الطرف الآخر ويجعلهم يقدّرون ما تحمله هذه الخطوة من تدمير ثقة ذلك الطرف بهم وجعله في مواجهات المستقبل أشدّ شراسةً لاستعادة ما سلب منه دون إنصاف.

تذكّر:
- معظم المفاوضات عمليات معمّرة أو متكررة، وينبغي أن تعامل كل لقاءات التفاوض في ضوء هذا الاعتبار.
- ضحايا اليوم المسحوقون سحقاً حتى العظم هم خصوم الغد الأشد شراسة فاصنع منهم قدر ما تشاء!
- حصّن نفسك من شهوة سحق الخصوم حتّى العظم واسأل نفسك على الدوام: ماذا يمكننا أن نحقق معاً؟
- التفاوض ليس مسألةً مشكلةٍ في الماضي أو الحاضر بقدر ما هو مسألة البحث عن كيف ومتى وأين يمكن للفرقاء العمل معاً لتوليد قيمةٍ مضافة للجميع.

على طاولة التفاوض أنت قويّ بقدر ما لديك من معلومات:
بمقدار ما لدى المفاوض من معلومات عن القضية المطروحة وعن الأطراف الذين سيفاوضهم ستكون قويةً قاعدة تأثير ذلك المفاوض.

وبالنظر إلى العلاقة القوية جداً بين توفر المعلومات المناسبة وبين القوّة التفاوضية فإنّ دخول أيّ تفاوض دون القيام بالبحوث اللازمة لن يكون في معظم الأحوال إلاّ مغامرةً حمقاء.

بيّنت الدراسات بجلاء أن نحو خمسةٍ وسبعين في المئة من كلام المفاوضين المخضرمين المتميّزين إنّما يصدر في صيغٍ استفهامية تستدعي المعلومات. والسبب وراء هذا التركيز على الاستفهام هو أنّه الطريق إلى تقوية المشاركة والارتباط مع الطرف الآخر، وإلى تحصيل المعلومات، في حين أن استخدام البيانات التقريرية يعطي نتائج معاكسة. إن نبرة وصيغة الاستفهام تجسّد للطرف الآخر الرغبة في الإصغاء لوجهة نظره وبالتالي تولّد مناخاً يشعره بالراحة والاطمئنان إلى البوح باهتماماته، وإلى الإصغاء الجادّ لاهتمامات الطرف المقابل.

تذكّر:
- المعرفة قوة على أيّ طاولة تفاوض
- إن المفاوضين الذين ينفقون الوقت والجهد في التنقيب والدراسة للمعلومات التي يمكن أن تلزمهم أثناء التفاوض سيكون بمقدورهم التقدم إلى التفاوض بثقة وكفاءةٍ أكبر لا تكاد تتاح لمن يؤجّلون التفكير في الأمور إلى لحظة المواجهة الفعلية.
- السؤال مفتاح العلم، وهو كذلك وسيلةٌ للتعبير عن إرادة التواصل والتفاهم. إن تبنّي الأسلوب الاستعلاميّ يحمي المتفاوضين من انغلاق الأفكار المبكر ويبقي الافتراضات المسبقة عرضةً للتمحيص والمراجعة.
- الأسئلة هي المصابيح التي تظهر أو تؤسّس على ضوئها الأرضيات المشتركة.
- إن لم يكن ممكناً طرح سؤال فابق صامتاً وانتظر الطرف الآخر حتى يملأ هذا الفراغ الشائك.
- تابع الملاحظات والتعليقات بسؤال على الفور.

9- التأطير framing عاملٌ حاسم في نتيجة التفاوض
كيف تقول وكيف تريد أشدّ أهميةً من: ماذا تقول وماذا تريد
ينبغي على كل متفاوض التنبّه إلى أن صنّاع القرار –وكل البشر- يتأصّل فيهم الميل إلى تناول احتمالات الربح بطريقةٍ تختلف عن تناول احتمالات الخسارة. عندما يطلب من أحد البشر التفكير في المكاسب المحتملة فإنّك تراه أكثر نزوعاً إلى تجنّب المخاطرة، تراه ينشد حصيلةً مضمونة. وعلى العكس من ذلك ترى صانع القرار أكثر إقبالاً على اقتحام المخاطرة عند دراسة الخسائر المحتملة والسعي إلى تجنّبها.

لأنّ الخسائر تبدو في عين الناظر أكبر مما هي عليه في الواقع، والمكاسب تبدو أصغر، فإنّ طريقة صياغة المفاوض لأسئلته وكل تعابيره تصبح مهمةً جداً في تشكيل التصورات وتقرير النتائج.

ما يعنيه هذا في عالم الممارسة الواقعية هو وجوب أن يكون المفاوض شديد التحسّس والانتباه لاحتمال أن يثيرَ الإطار السلبيّ (الخسارة المحتملة) سلوكَ هلع ومخاطرة مدمراً لدى الطرف الآخر.

وأن يلاحظ دور الإطار الإيجابيّ (المكسب المحتمل) في تشجيع الطرف الآخر على اتباع مسلكٍ أكثر هدوءاً والسعي نحو حصيلة مرضية للطرفية.

- الخوف من خسارة العسل يحرّكنا أكثر من الإغراء به
هناك مجموعةٌ معتبرة من الدلائل تشير إلى أن معظم الأشخاص تحرّكهم الخسارة أكثر مما يحرّكهم الربح. وبسبب ذلك فإنّ أيّ مفاوض يتوقّف عند إخبار الطرف الآخر عن المكاسب التي يحتمل جنيها من التعاون معه ولا يمضي إلى إخباره عمّا سيفوته نتيجة عدم التعاون إنّما هو مفاوض متهوّر مهمل يتخلّى عن الفرص بنفسه.

رطل أملٍ في الربح يحرّك قطار التفاوض إلى الأمام ذراعاً، ورطل خوف من الخسارة يحرّكه ذراعين.

تذكّر:
- وضع عملية التفاوض في إطار السعي إلى المكاسب يقلّص احتمالات تبنّي الطرف الآخر سلوكيّات مخاطِرة مهدّدة بتخريب المفاوضات.
- جعل الطرف الآخر يقفون موقفك ويشعرون بما تشعر به سوف يشجّع رؤيتهم للمفاوضات كما تراها وبالتالي يمكن أن يغيّر مواقفهم.
- الأسئلة أدوات ممتازة لتحقيق إطارٍ مشترك بين الأطراف المتفاوضة.
- قابل الأطر السلبية بتوفير أكبر عددٍ ممكن من الخيارات أمام الطرف الآخر فتحوّله من وضعية اتخاذ القرار إلى وضعية المفاضلة والاختيار بين البدائل المقترحة.
- احذر كل الحذر من ردة الفعل المفرطة تجاه المطالب المقدّمة في أطر سلبية باكراً لدى بداية التفاوض. بدلاً من ذلك ركّز على مواجهة تلك المطالب المؤطّرة سلبياً باستكشاف ومكافأة الخطوات الإيجابية.

10- الائتمان والاعتمادية هي ركائز اتفاقات الربح الإضافيّ للجميع
في زحمة دنيا الأعمال التي لا تهدأ أمواجها وعواصفها، كثيراً ما ينسى المفاوضون أو يؤخّرون ترسيخ مصداقيتهم واعتماديتهم وتنمية علاقات الثقة. إنك تراهم منصرفين إلى المحتوى ولا يكادون يلقون بالاً إلى عناصر السياق المحيط بالتفاوض. لا همّ لهم في لحظتهم الحاضرة سوى معرفة من أين تؤكل الكتف والتلذّذ بغنيمة المفاوضات تحت أسنانهم ناسين أن ذلك لن يكون ممكناً في الحقيقة إلاّ في مناخٍ ملائم يشجّع الطرف الآخر وييسّر تعاونه.

حتّى يمكن النجاح في الاختبار النهائي الحاسم لأي عملية تفاوض –أي اختبار صمود الاتفاق المنجز- لا بد من أن تكون بداية المتفاوضين هي ترسيخ المصداقية ثم بناء العلاقة، وبعد ذلك الدخول في تفاصيل التفاوض. إن هذا الترتيب يخلق إطاراً يشعر الطرف الآخر ضمنه بالطمأنينة والاستعداد للتزحزح عن مواقعهم والبوح بما في داخلهم للمضيّ في تفاعلٍ باحثٍ عن الفرص المشتركة.

عندما تشكّك الأطراف في مصداقية بعضها البعض ولا يأتمن أحدها الآخرين فإنّهم جميعاً لن يكونوا قادرين على احتمال الحدّ الأدنى من الانكشاف الذي تحتاجه المفاوضات الإبداعية البنّاءة. وهكذا ستكون الخسارة محور اهتمامهم وسيكونون أكثر عرضةَ لاتخاذ مواقف الدفاع الشرس المتأهب، وانغلاق الأفكار.

إنّ قانون التبادل في دنيا السلوك البشري ينص على أن المفاوضين الطامحين إلى رؤية الأطراف الأخرى تتزحزح عن مواقفها المسبقة لا بدّ لهم من أن يبادروا هم لإظهار الاستعداد لعرض مواقفهم عرضاً صريحاً يؤسس الثقة ويهيّئ الطرف الآخر للخروج من متراس مواقفه المسبقة.

تذكّر:
- الثقة تقوم على أن تقول ما تضمر وأن تنفّذ ما تخبر.
- الثقة تزيل خوف الأطراف من الافتراس الماحق على طاولة التفاوض.
- المشاهدة تبني الثقة.
- المصداقية أساسُ الإقناع الفعّال.
- إن أسلوب المطالبة الصلب الملحّ الكاسح لا يؤدّي في معظم الأحيان إلاّ إلى تجسيد العقبة التي ينبغي على الطرف الآخر استهدافها.
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟