دخول

دروسٍ أساسية للنجاح في عالم المفاوضات [1]

مجلة إبداع

إن رأيت من خلال تجربتك في عالم المفاوضات كيف أنّ 20% مما تبذله في مفاوضاتك هي التي تعود عليك بـِ 80% من النتائج التي ترجوها فهل أنت مستعدٌّ لمتابعة قراءة هذه السطور كي تعرف هذه العشرين بالمئة القيّمة الحاسمة؟

عزيزي القارئ، من خلال مسيرتي التفاوضية المديدة أتيحت لي فرص الاختبار الواقعيّ مرةً بعد مرة للعناصر المهمّة في نجاح المفاوض وفي السطور التالية أركّز على مبدأ باريتو الآنف الذكر(20 / 80) وأقدّم لك عشرةً من أهم أسرار نجاح التفاوض التي أثبتت تجارب المفاوضين المخضرمين أن فهمها وتطبيقها كما ينبغي سوف يعزّز تعزيزاً جوهرياً أداء المدير على طاولة المفاوضات.

يخبرنا كثير من المديرين أن ضغط الوقت يمنعهم من متابعة المسارات التفاوضية الرفيعة المستوى والجديرة بالتعلّم منها، كما يحرمهم من لحظات الصفاء اللازمة للغوص المتمعّن في التفاصيل التي يتناولها كثيرٌ من كتب فن التفاوض. كما يخبرنا كثيرٌ من رجال الأعمال بحاجتهم إلى مختصرٍ سهلٍ جامعٍ يمكنهم الاعتماد عليه كتذكرةٍ سريعة قبل جلوسهم إلى طاولات مفاوضاتهم المهمّة. ولأجل هؤلاء جميعاً وضعتُ هذه اللائحة.

ومع إقراري بأنّ المفاوض الحائز على التدريب المناسب والمتسلّح بالإعداد الكافي سوف يحوز الأفضلية شبه المؤكدة على من يكتفون بالتصفّح الظاهريّ السريع فإنّني لا أقلّل أبداً من أهمية وقيمة لائحة الدروس التفاوضية العشرة المقدّمة هنا.

لا يُقصد من هذه اللائحة أن تكونَ نافذةً تنوب عن الشمس وإنّما يُقصد أن تكون نافذةً تدلُّ على الشمس ونقطة ارتكاز تيسّر لكل المهتمّين معرفةً من أين يبدؤون وكيف يتقدّمون في توسيع معرفتهم وفهمهم لجوانب عملية التفاوض، ومعرفة عمّ يسألون وكيف يسألون عندما يحتاجون إلى مشورة ونصيحة خبراء التفاوض.

1- اعرف غاية طموحك، حدّد أقصى ما يمكن أن تسعى إليه:
يدخل كثير من المديرين المفاوضات دون أن تكون لديهم صورةٌ واضحة محدّدة عن الغاية القصوى التي يطمحون لتحقيقها في تلك المفاوضات، أو ربما يدخلون المفاوضات وهم يطمحون إلى هدفٍ متدنٍ جداً. وبالتأكيد لن يعود هذا عليهم إلاّ بنتائج بعيدةٍ جداً عمّا كان بإمكانهم تحقيقه، وذلك بسبب ما يتعرّض له مطمحهم المتدنّي من تآكل بسبب التنازلات التي يضطرون إليها في سبيل التقدّم في المفاوضات. إنّ مرتكزاتهم النفسية وتوقّعاتهم التي دخلوا المفاوضات بها لن تولّد شيئاً أكثر من ممارسة "تقاسم البيدر بالتساوي"

ينبغي أن يتفهّم المفاوضون أنّ المطلب الأوّلي الذي يعرضونه هو الحدّ الأقصى لما يمكنهم الحصول عليه، وليبس هناك من سبيل إلى نتيجة تعلو عن ذلك المطلب، وما يحدث في الواقع هو أنّهم سيتحركون نزولاً عن ذلك المطلب الأوّليّ. وبالإضافة إلى ذلك عليهم إدراك أنّ غاية طموحهم القصوى Aspiration Base تُحدّد التوقّعات الدنيا لدى الفريق المقابل.

تذكّر:
- عموماً، يتفوّق المفاوضون المبتدئون بمطامح عالية في أدائهم على المنطلقين من مطالب متدنّية. إنّهم ينطلقون بأعلى مطلبٍ ممكن ويحافظون على مصداقيتهم.
- وبتبنيهم غاية طموح مرتفعة فإنّ هؤلاء المفاوضين يوجدون فسحةً كافيةً لتقديم ولطلب التنازلات اللازمة لتحقيق نتيجة "الكسب الإضافيّ للطرفين"
- تولّد المطامح العالية طاقةً نفسية إيجابيّة وتقي المفاوض من أن يكون متصلّباً ودفاعياً.
- تُظهِر المطامح العالية الثقة للطرف الآخر وتمنع في الغالب السلوكات التفاوضية اللاعقلانية.
- تُلزم مطامحك العالية الطرف المقابل ببذل طاقةٍ أكبر لإدنائها، وهكذا يضعف تركيزه ومقدرته على رفع مطامحه.
- إن المفاوض صاحب العرض الأوّل يمكنه "تقييد" عملية التفاوض وفرض المضيّ في اتجاه ذلك العرض.

2- اعرف مطالبك الحقيقيّة الواقعيّة، حدّد أسوأ ما يمكن أن تقبل به:
ومثل أهميّة ووجوب اعتماد منطلق طموحات مرتفع يجب على المفاوض أيضاً أن يعرف الحدّ الذي لا يمكنه قبوله وأوانَ الانصراف عن المفاوضات. إنّ عدم تعيين هذا الحدّ تعييناً واضحاً منذ البداية سوف يؤدّي حتماً إلى نزوع المرء للاستمرار في المفاوضات حتّى بعد أن تصبح عديمة أو مضرّةً له.

إنّ ترك تعيين هذا الحدّ إلى حين ابتداء المفاوضات أمرٌ خطيرٌ جداً لأنّ مقاومة العوامل النفسية حينئذٍ والتصرّف بعكس التيار سيكون أمراً شديد الصعوبة. اعرف ماذا ينبغي أن تحصل عليه –ولا أقلّ أبداُ- إن أردت أن لا تكون المفاوضات عملية تدمير ذاتيّ.

تذكّر:
إن عدم معرفتك معرفةً واضحة إلى أيّ حدٍ أنت مستعدٌ للمضي في المفاوضات سوف يؤدّي بك حتماً إلى تجاوز حدّ النتيجة الإيجابية الممكنة.

وعدم معرفتك الواضحة النقطة التي ينبغي عليك التوقّف والانسحاب عندها سوف يبدو واضحاً للطرف الآخر مهما كانت خبرته التفاوضية بسيطةً وسوف يستغلّ عدم المعرفة هذا.

من دون معرفتك الواضحة لمطالبك الحقيقيّة سوف يستحيل عليك تقرير "نطاق الاتفاق"، ذلك النطاق الواقع بين المطالب الحقيقيّة للفرقاء المتفاوضين.

3- حدّد أفضل بدائلك الممكنة عن الاتفاقية المتداولة BATNA
أفضل سبيل للاتفاق أن لا تكون مضطراً إليه:
قبل دخول أي مفاوضة ينبغي على المرء أن يقرّر أفضل بدائله الممكنة في حال تعذّر الاتفاق "BATNA".
يجب أن يقرّر المرء سلفاً: ماذا ستكون آثار مغادرة طاولة التفاوض على مصالحه؟ ما البدائل الممكنة لتحقيق أو صيانة مصالحه؟
ما لم يكن المفاوض مدركاً بوضوح لإمكانية وتبعات مغادرته طاولة التفاوض، ومدركاً البدائل الممكنة أمامه في حال الاضطرار لها فلا مناص من أن يجد نفسه مضغوطاً ضغطاً ساحقاً نحو التوصّل إلى اتفاق نتيجة ذعره من التبعات المجهولة الناجمة عن عدم الاتفاق.

إنّ المعرفةً الجيدة بأفضل البدائل عن الاتفاق تتيح للمفاوض الوقوف بصلابة أثناء التفاوض، كما إنّها تمنحه القوّة والثقة اللازمتين لترك طاولة التفاوض عندما يستحيل التوصّل إلى اتفاقٍ مفيدٍ للطرفين.

وبكلماتٍ أخرى مختصرة يمكن تعريف "بديل أو بدائل الاتفاق BATNA" بأنّها المقياس المعياريّ الذي ينبغي أن تقاس به أيّة اتفاقية مقترحة. وكل اتفاقٍ تفاوضيّ يكونُ هذا البديل أفضلَ منه لا يمكن قبوله"

تذكّر:
- كلّما سهل على المفاوض ترك طاولة التفاوض عند الضرورة، كلّما ازدادت قدرته على التحكّم بنتيجة التفاوض.
- كلّما ازدادت معرفة المفاوض بالبدائل المتاحة للطرف الآخر كلّما تحسّن استعداده للتفاوض.
- قرار الإفصاح عن "البديل الأفضل عن الاتفاق BATNA" يعتمد على قوة ذلك البديل وعلى احتمالات إضعافه الموقف التفاوضيّ للطرف الآخر.
- حيازة ومعرفة "البديل عن الاتفاق" تزيد قوّة المفاوض. وتحميه من قبول اتفاق سيّئ، أو رفض اتفاق جيّد.

4- ركّز على المصالح والاهتمامات لا على المواقف
ابحث عمّا يحتاجه الآخر وليس عمّا يقول إنّه يريده
في العادة يدخل المفاوضون المفاوضات ولديهم مواقف مسبقة تقوم على واحدٍ أو أكثر من الاهتمامات، أو الاحتياجات الأساسية، أو المخاوف، أو الرغبات.. .

في حين أن المواقف تمثّل المسالك التي قرّر كلٌ من المفاوضين اعتمادها، فإنّ المصالح هي التي تؤدّي إلى قرار المفاوض تبنّي موقف معيّن. وهكذا فإنّ صرف التركيز كلّه على المواقف في أية مفاوضات لن يقود إلّا إلى صراعٍ مديد يحاول فيه كلٌ من الطرفين جرّ الآخر إلى موقفه. والنتيجة في معظم الأحيان هي استعصاءٌ لا حل له، أو هزيمة طرف وفوز طرف.

إن التحدّي الذي ينبغي على المفاوضين النجاح فيه هو النظر إلى ما وراء المواقف التي يعلنها كل طرف في بداية التفاوض واستكشاف وتفهّم المصالح والاهتمامات التي تولّد تلك المواقف. بعد أن يستكشف الفرقاء الاهتمامات والمصالح فإنّهم في معظم الأحيان سيكونون قادرين على التوصّل إلى حصيلةٍ لم يفكّر أيٌّ منهم في التوصّل إليها من قبل ولكنّها مع ذلك تلبّي اهتماماتهم أفضلَ بكثيرٍ ممّا يلبّيه المضيّ في طريق المصارعة الطويل المرسوم لدى كلّ فريق.

عندما يدرك الفرقاء مصالح بعضهم البعض فإنّ أعينهم تبصر ما كان غائباً عنها من المصالح المشتركة الراجحة على المصالح المتضاربة. ويرون عندئذٍ إمكانية تلبيتها بالعمل معاً من خلال اتفاقٍ مرضٍ ومربحٍ للجميع.

تذكّر:
- حتّى عندما تكون المواقف شديدة الاختلاف تبقى هنالك فرصة لوجود اهتماماتٍ ومصالح مشتركة أكثر من الاهتمامات والمصالح المتعارضة.
- بينما ترجع المواقف في معظم الأحيان إلى مشكلات وشكاوى ماضية، فإنّ المصالح تدور حول شؤون مستقبلية.
- إن دخول المفاوضات من منطلقٍ موقفيّ صرف يخلق مناخاً صراعياً، بينما يهيّئ دخولها من منطلق الاهتمامات والمصالح جوّاً تعاونياً.
- وضع كل فريقٍ نفسه موضع الآخر والسؤال لماذا يتبنّى هذا الموقف ويرفض ذاك طريقةٌ فعالة في التحقّق من اهتمامات ذلك الفريق وتفهّمها.
- التركيز على المصالح والاهتمامات طريق يسهّل تركيز الأطراف جميعاً على المشكلة الحقيقيّة ويبتعد بهم عن الهجومات الشخصية.
- حتّى ينجح المفاوض كثيراً ما ينبغي عليه المخاطرة بنفسه والمبادرة بكشف اهتماماته ومبرراته قبل أن يقترح حلاً معيناً، وبذلك يخلق الثقة اللازمة للطرف الآخر حتّى يشعر بالأمان الكافي وينطلق في عرض اهتماماته.
- وتذكّر أيضاً، إن اهتمامات ومصالح المفاوضين لا تطابق على الدوام اهتمامات ومصالح الجهات التي يمثّلونها.

5- تحقّق من افتراضاتك فهي غالباً ما تكون خاطئة
انظر إلى صور الآخرين من النافذة ولا ترسمها لهم من خيالك أو مرآتك
أحد أعظم الأخطار والمزالق التي يقع فيها المفاوضون هو ميلهم إلى رسم تصوّراتٍ معينة دون التحقق من صحتها ودقّتها. في كثير من الأحيان لا يؤدّي هذا إلى تأطير الطرف الآخر بطريقة محددة وحسب وإنّما يؤدّي أيضاً إلى مواقف وسلوكيات غير ملائمة تمنع التوصّل إلى اتفاقٍ مجدٍ للطرفين.

مثلاً: يتواجه مستثمر مع مناصر للبيئة للتفاوض على مشروعٍ صناعي قريبٍ من منطقة بحيراتٍ حسّاسة. عندما يتصوّر المستثمر أن مناصر البيئة ما هو إلاّ واحدٌ من عصبةٍ مجنونة بمنع كل أشكال التحديث والتنمية فإنّ هذا التصوّر سيقرّر كيفية تعاطيه مع مناصر البيئة. وبالرغم من افتقار هذا التصور إلى المستندات الواقعية فإنّه سيعمل كتوقّعٍ ذاتي التحقيق، كما إنّه سيقود مناصر البيئة إلى التخلّق به والتصرّف بمقتضاه.

تذكّر:
- تصوّراتنا عن الفرقاء المواجهين لنا في المفاوضات غالباً ما تكون غير صحيحة
- تؤدّي الافتراضات إلى انغلاق فكري متسرّع يقضي على إمكانية عمل الأطراف معاً في استكشاف خياراتٍ مبتكرة لتحقيق اتفاقٍ مرضٍ للجميع.
- كثيراً ما تتحوّل الافتراضات إلى تنبّوءات ذاتية التحقيق
- تمنع الافتراضات المسبقة التفاعل المتعاطف المتفهّم بين الفرقاء.


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟