دخول

الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

موقع مفكرة الإسلام

في يوم من الأيام، فقد الشبل الرضيع أهله من الأسود، وظل هائمًا على وجهه، إلى أن مر به قطيع من الغنم، فسار الشبل معها وصاحبها، وأكل الأعشاب كما تأكل، وكان يرعى الكلأ كما ترعى، إلى أن شب وكبر، ونما وترعرع، لكنه لا يزال يمأمئ كما تمأمئ الغنم، ويأكل كما تأكل، ولم يلفت انتباهه تفوقه عليها قوة وشجاعة.


وفي ذات صباح، ذهب ليشرب من النهر، فرأى صورته فتعجب، إنها لا تشبه أباه الكبش، ولا أخاه الحمل، ولا أمه النعجة، فصادف فيلًا وسأله: من أنا؟ قال له: أنت أسد وسليل أسود، حينئذ زأر زئيرًا طارت لهوله قلوب الكباش، تلك التي كان يمأمئ معها قبل قليل، ما الذي حدث لهذا الحيوان؟ وما الذي طرأ عليه وما الذي تغير فيه؟ لا شيء سوى أنه اكتشف نفسه، وأبدى قدرته، وكشف الغطاء عن ذاته.
فأنت ـ أخي الداعية ـ سليل أسود الأمة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وحامي عرين هذا الدين العظيم، تشيد به نهضة لهذه الأمة، حتى تعود إلى مكانها الطبيعي كواسطة عقد الأمم، ولن يكون ذلك إلا برجال يتسلمون الراية من الآباء العظام، لتكمل بها المسير، فتكون فخرًا لأجدادك الأسود يا سليل الأسود.


على قدر أهل العزم:
ولكن السفينة لم تصنع لكي تُزين البر، ولكن لكي تمخر عباب البحر، وحين تترك السفينة مكان صناعتها، وتخطو خطواتها في خضم الأمواج، تظهر قوتها، ودقة صناعتها.


وكذلك أنت ـ أخي الداعية ـ فبعد أن امتلكت قلبًا يطل على أفكاره، عرف كيف يدرك ذاته، وكيف يرسم رؤيته في جوانب الحياة المختلفة، الدعوية والمادية والاجتماعية وكذلك الجوانب التطويرية والمهارية، فأنت بذلك قد صنعت السفينة، ولكن أن تمخر عباب الدعوة إلى الله وتشق أمواجها فلابد من نفس أصبح اللهو تعبها، وبذل الجهد في مرضاة الله ونشر دينه لذتها، فيصير الألم بالنسبة لها أعظم متع الدنيا.
 

درب الأسود:
وها نحن ننتقي لك ـ أخي الداعية ـ من درب أسود هذه الأمة نماذج لنفوس أدركت عظم أمانة هذا الدين، فصارت الوقت والجهد عملة ينفقونها في سوق رائجة، سوق الدعوة إلى الله، فترتد لهم في الدنيا سعادة وهناءً، وتتدخر لهم في الآخرة ـ بتوفيق الله ـ حسنات تثقل الميزان.
 

الشبل الرجل:
فهذا علي بن أبي طالب، ذلك الشبل الرجل ينام في سرير النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، يُعرض نفسه وحياته للخطر، ولكنها لذة البذل في سبيل الله عز وجل ونصرة دينه، ليخرج الرسول صلى الله عليه وسلم آمنا سالمًا؛ فينشر دعوة الحق في أرجاء الأرض.
 

ولشقائق الرجال نصيب:
وتأبي شقائق الرجال إلا أن يضربن بسهم وافر في التضحية، فتخط أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما سطورًا مضيئة من شجاعة نادرة، فها هي تحمل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في غار ثور يوم الهجرة، وتعرض نفسها لخطر الوقوع في يد الكفر التي لن ترحم صغر سنها ولا كونها امرأة.
 

شاب في الثمانين:
وإليك شاب في الثمانين من عمره، فهو شيخ بعدد سنين حياته، ولكن روحه الباذلة في سبيل الله شابة إلى أبعد الحدود، إنه يوسف بن تشفين الذي قاد وهو في ذلك العمر جيشًا جرارًا لإنقاذ الخلافة الإسلامية في الأندلس بعد أن أرسل أُمراؤها رسالة استغاثة واحدة، قالوا فيها:
(ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصـرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال، وأنت أيَّدك الله سيد حمير، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولكم عند الله الثواب الكريم، على حـضرتكم السامية السلام ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
فكان عبور القفار لذة، وخوض البحار متعة، فما وهنت همته ولا كلَّت عزيمته.
 

ورقة في كتاب التضحية:
وتأمل ـ أخي الداعية ـ في ذلك النموذج الفذ، أبى إلا أن يبذل في سبيل الله، إنه ورقة بن نوفل، ذلك الحنيفي الذي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها يوم أن نزلت رسالة الإسلام.
فماذا كان جواب ورقة: (يا ليتنى فيها جذعًا، يا ليتنى أكون حيًّا حين يخرجك قومك)، إنه يأسف أن لم يكن شابًا جذعًا ليبذل، ويصنع مجد الإسلام العظيم.
 

دموع ذهبية:
وإليك جماعة مؤمنة، ساقتهم قلوبهم قبل أقدامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك، ليجد لهم جياد تنقلهم للجهاد في سبيل الله، فلم يجد عليه الصلاة والسلام لهم شيئًا يحملهم والسفر طويل والزاد قليل، فتفيض العيون بالدمع؛ لأن أنفسهم ستفتقد لذة البذل في سبيل الله.
فيُنبئنا الله بخبرهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة فيقول: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92].
أنها النفس التي لهوها التعب، وهذه هي الروح التي ينتصر بها الإسلام، كما يقول صاحب الظلال: (بمثل هذه الروح انتصر الإسلام، وبمثل هذه الروح عزَّت كلمته، فلننظر أين نحن من هؤلاء، ولننظر أين روحنا من تلك العصبة، ثم لنطلب النصر والعزة إن استشعرنا من أنفسنا بعض هذه المشاعر).
 

الفاروق يصف الطريق:
ولكن ما هي معالم الطريق للحاق بهؤلاء؟ ومن أين تكون البداية؟
يأتي الفاروق رضي الله عنه ليصف لنا الطريق في موقف إيماني تربوي عظيم، يجمعه مع النبي صلى الله عليه، فبينما يسير عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم آخذًا بيده، تفيض مشاعر عمر رضي الله عنه ليهتف بها لسانه : (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسـي)، فيأتي الرد من المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك).
ويطبق الصمت على المشهد للحظات، فلا يقطعه سوى كلمات صادقة من الفاروق رضي الله عنه، قائلًا: (فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي)، فيقول صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) [رواه البخاري].
 

فما سر ذلك التحول، وكيف كان قرار عمر سريعًا؟
إنه التغيير النابع من داخل عمر رضي الله عنه، من باطنه وقلبه وأعماقه، لذا؛ لم يحتج إلى وقت طويل، ولا تفكير مديد؛ لأنه تربى على تلك القاعدة الربانية والسنة الإلهية: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11].
فالله عز وجل (لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزًا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون.
وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشـر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم).


فالسماء لا تمطر تلك النفسة الأبية، والروح المتقدة للبذل لهذا الدين، إنما هي الأوقات تبذل، والعرق يتصبب، والمال ينفق، والدمع يذرف، وقبل كل ذلك، يد ترتفع إلى الله ترجو توفيقه وسداده.
 

الحواجز الوهمية:
ولكن لن يكون الطريق إلى تلك النفس سهلًا ممهدًا، فبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، ولذا سيقف في طريقك ـ أخي الداعية ـ حواجز نفسية يسقط عندها البعض، ولكنها ستكون في حقك ـ إن شاء الله ـ حواجز وهمية، وفي الحلقة القادمة من تلك السلسلة "نفس لهوها التعب" سنعرف كيف نتخلص من عقبات السير في طريق البذل لدين الله عز وجل؟
 

نشيد النفس الأبية:
وأثناء المسير في تلك السلسلة ، اجعل نشيدك هذه الأبيات الرائعة تشدو بها وتحدو:
هذا الرقيـق تـراه عـند الـروع في قـلب الأسـود
متـبـسماً والـدهـر غضبـان يـزمجـر بـالوعيـد
فـإذا رمـاه بالخـطـوب رمـاه بالعــزم الجـليـد
وإذا دعتـه الواجـبـات... فحـمـلتـه بـما يـئـود
وجـدتـه صلب المنـكبـيـن فـلا يـخر ولا يـميـد
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟