دخول

بين الجسد والروح .. أمواج متلاطمة

إن تقلب الإنسان بين أمواج الحياة المتلاطمة تدفعه دوماً إلى العيش في دوامة لا ينفك عنها ، يعيش في حلقة مفرغة لا تكاد تنتهي حلقة إلا وتتبعها حلقات . فالإنسان يعيش ما بين احتياجاته الأساسية المُطالَبُ بإشباعها وبين ضيق العيش . يعيش بين فقر وجوع .. يعيش في ضنك ومشقة لا يقدر على سد احتياجاته فضلاً عن متطلباته .إن لكل شئ شقان .. الليل والنهار ، الأخضر واليابس ، الذكر والأنثى .. مصداقاً لقوله تعالى : (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) .كلٌ لا يستطيع أن ينفك عن الآخر فاليوم لا يكتمل بالليل دون النهار .كلُ يستمد قوته من الآخر يعيش معه ويحيا به . كذلك الإنسان فليس الإنسان بالشئ الذي يحيا وحده ، يعيش دون أنيس ولا رفيق ، فالإنسان ذاته له شقان جسد وروح ، فلا جسد بلا روح ولا روح بلا جسد . شطران متكاملان يكمل كلٌ منهما الآخر . شطران يعيشان متكاملان من أجل رفعه شأن واستمرار الحياة في جسد هذا الإنسان .
فلو أن إنسان بلا جسد كيف تعيش روحه هادئة مستقرة ، كذلك الجسد لو أنه تغاضى عن الروح كيف يأنس وكيف يسكن دون وجود شريكه .

فالروح والجسد شيئان قائمان متلازمان لا ينفك الواحد عن الآخر إلا بموته .أما وقد علمنا أن للإنسان روح وجسد ، فلكل منهما احتياجاته ومتطلباته .فالجسد يعيش بالمأكل والمشرب والملبس ، لو قصرنا في جانب واحد تجد تأثر الشطر كله به ، فلو قصر الإنسان في مأكله تجده ضعيفاً متهالكاً لا يستطيع أن يحيا حياة مستقرة طيبة ، كذلك المشرب والملبس . إن التقصير في أي من متطلبات هذا الجسد تجد انعكاسه عليه كله لا يقوى على الحياة ولا يعين شطره الآخر على الحياة حياة مطمئنة .

وللروح أيضاً متطلبات فالروح لا تعيش بلا حب ولا عطاء ولا تضحية ، كيف تعيش الروح وهي لا تجد أنيسها الذي يؤنس وحدتها ؟؟!! كيف تعيش الروح وهي خاوية الفؤاد لا تجد من يبادلها الحب والعطاء ؟؟!! .

إن الإنسان إذا قصر في توفير احتياجات روحه فهذا تماماً كالذي قصَّر في طعامه وشرابه .. كيف يهنأ للإنسان بال وكيف يستقر حاله ونصفه الآخر يأن من الجراح ؟؟ !! .

إن أكثر الناس يهمل في هذا الجانب كثيراً .. يهتم بطعامه وشرابه ولا يعطي لنفسه ولو شيئاً قليلاً في أن يفكر في زادٍ لروحه ، فزاد الروح هو الزاد الذي يستقر به حال الإنسان فمهما أفرط الإنسان في توفير احتياجات الجسد دون الروح .. أنى له أن ينعم بهذه الملذات وهو خال الفؤاد .

إن الإنسان السوي هو من يهتم بشطريه لا فضل لجسد على روح ولا روح على جسد .. الكل سواء .. الواحد يكمل الآخر ، فإذا كانت احتياجات الجسد معروفة للقارئ والسامع ، فإن للروح احتياجات لا يفطنها إلا القليل .

الروح مخلوق له احتياجات كثيرة فالحب أول هذه الاحتياجات وأجلها ، الحب غذاء الروح ، فلا حياة لإنسان بلا حب فهو وقود الروح وغذاؤها ، وكما أن الطعام والشراب له أشكال وأصناف ، فإن للحب أيضاً أشكال وأصناف .

أول أنواع الحب وأجله هو حب الله عز وجل ، فهو حب فطري خلقنا به الله عز وجل . هو حب نرقى به في السماء .. هو حب نتجاوز به الحدود .. حب نسمو به ونعلو في علياء الجنان .. حب يخفق له القلب بأجنحته في سماء العلا .

ومن علامات هذا الحب كثرة ذكرك لمحبوبك ، فإذا قل ذكرك لله عز وجل تجد قلبك ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَدُ في السماء ،إذا أصاب هذا الحب نقص تجد الإنسان هائماً على وجه لا يتلذذ لا بطعام ولا بشراب .. لا بأنيس ولا شريك .. فليس بعد حب الله حب .. قال تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشةً ضنكاً ) .

فالإنسان قد فُطِرَ على الحب لا يأنس إلا به ، ولا تقر عينه إلا بحبيبه .فهذا الحب الفطري الذي ترقى به الخلائق عن الدونية التي تَلحَقُ بالإنسان من جراء كثرة التمتع بالملذات الجسدية . فالإنسان السوي يحيا حياة مستقرة إذا راعَ هذه المعادلة الصعبة بين الجسد والروح .

إن الحب الفطري هو الحب الذي ينشأ بين الإنسان وشريكه .. بين الحبيب وحبيبه ، بين الذكر والأنثى ، إن الإنسان لا يستطيع الحياة بلا حب فالحب هو الوقود الذي تنعم به الخلائق وتسمو في العلا .
فها هو عنترة ابن شداد يتذكر محبوبته بين تلاقي السيوف وتراشق الرماح . هذا هو الحبيب قال:
فوددتُ تقبيل السيوفِ لأنها لَمَعَت كبارق ثغرك المتبسم

إن للحب سبل لاختياره كما أن للمأكل والمشرب سبل ، فليس الحب بالشئ اليسير الذي نتجاهل اختياره ، فالحرص الحرص على المنبت الطيب ، والخير كل الخير في الحفاظ عليه عفيفاً طاهراًُ .

إن الحفاظ على هذا الحب الطاهر لا يكون إلا باتباع السبل الشرعية التي شرعها لنا ديننا الحنيف والذي يضع هذا الحب في الإطار الشرعي كما الجوهرة .

إن هذا الحب الطاهر لا يكون إلا بالزواج في منبت صالح ، زواجاً طاهراً عفيفاً يسمو بجناحي التقوى والحب في الله ، كيف لا وهو زواج قد باركه الله عز وجل من فوق سبع سماوات .

كيف حالنا لو لم نجد هذا الإطار الشرعي الذي يغلف هذا الحب ، إنه الوقوع في الحرمة ، إذن فهيا بنا للمسارعة على إنشاء الواقع والمنبت الطيب لهذا الحب ، هيا بنا لنطرح بذور الحب في الأرض الطيبة . فالسرعة السرعة في تعجيل الزواج .

إن النظرة المادية في الزواج لتدفعنا إلى مستنقع الجهل وظلمة الحرام ، إن الزواج آية من آيات الله ، كيف يتحول هذا الزواج إلى سلعة تباع وتشترى .كيف يكون هذا الارتباط الروحي الأبدي سلعة تدفع لمن يدفع أكثر .

ليكن لكل منا وقفة مع نفسه ومع أهل بيته ، ليرى كل منا هل يريد العفة والطهارة ؟؟ هل يريد مجتمعاً عفيفاً يقوم على التقوى ؟؟ إذا كانت الإجابة بنعم إذن فلم البحث عن أعلى سعر لهذه السلعة .

هيا بنا لنعيد الاستقرار لحياتنا .. نعيد الاستقرار للإنسان بشقيه جسده وروحه
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟