دخول

روشته لحل الخلافات الزوجيه

إذا كانت الحياة الزوجية كما قال الله تعالى في كتابه الكريم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: من الآية 21) فهل وجود المشكلات فيها يؤثر على الإحساس بالسكن وتبادل المودة والرحمة بين الزوجين؟ وما أسباب هذه المشكلات؟ وعلى مَن تقع المسئولية؟ ومتى يشتكي الزوجان؟ ولمَن؟ ولماذا اختلف الزواج عن سابق عهده؟ وأسئلة أخرى تأخذ بأيدينا إلى حلها حنان زين- مديرة مركز السعادة للاستشارات الزوجية- من خلال هذا الحوار:

 

البحث عن الأسباب

* هل صحيحٌ أن المشكلات ملحُ الحياة الزوجية؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى زيادة هذه المشكلات؟

** أثبتت الدراسات الحديثة أن الخلافات الزوجية لا بد أن توجد، المهم ألا يؤديَ العنادُ وتصلُّبُ الرأي إلى فقْدِ سفينة الزواج، فتَهوي إلى قاع المحيط، وأسباب هذه المشكلات مختلفة، فهناك أسبابٌ إما تتعلق بما قبل الزواج بعدم الإعداد للزوجين من عدة جوانب، أهمها الجانبان الديني والأخلاقي، فضعف الوازع الديني من أهم أسباب المشكلات، وكذلك وجود بعض الأعراف والموروثات الخاطئة، وإغفال أهمية اللجوء إلى المتخصصين لاكتسابِ الخبرة العلمية الصحيحة؛ مما يترتب عليه عدم الوعي بكيفية اختيار الشريك وفهم الآخر المختلف شخصيته واحتياجاته وكيفية احتوائه والتعامل مع الأزمات وترك المشكلات البسيطة تتفاقم دون حل وكذلك ضعف قيمة الأسرة لدى الزوجين، وبوجهٍ عام فإنَّ البيئةَ التي نشأ فيها الزوجان قبل الزواج تكون لهما مثال لكيفية تسيير الحياة بعد الزواج وسياسة حل الأزمات بها، وبعد الزواج هناك بعض الأسباب المؤدية للمشاكل مثل البعد عن روح الدين وعدم الاقتداء بالنبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وافتقاد التخطيط للحياة عمومًا ولسياسة مواجهة الأزمات بشكل خاص والخروج عن الخطوط الحمراء أثناء مناقشة المشكلات (مثل العصبية والصوت العالي والتهديد بالطلاق أو الزواج بأخرى أو التركيز على السلبيات...) وعدم الاعتراف بالخطأ وعدم إشباع الحاجات النفسية والمعنوية للطرفين وعدم المشاركة في الأحلام والطموحات والأحزان والأفراح وعدم شعور كل منهما بأهميةِ الطرف الآخر في حياته ورغبة كل منهما أن يكون الآخر نسخة منه وليس المطلوب طبعًا التطابق إنما التكامل، وكما قال تعالى ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ (آل عمران: من الآية 36)، المهم ألا يؤدي الاختلاف إلى خلافٍ وكذلك غياب مفهوم التضحية والتنازل مقابل علو مفهوم الفردية والكرامة والغيرة الزائدة، وكذلك إفشاء الأسرار الزوجية وخصوصيات الأسرة وتدخل الأهل وعقد المقارنات والتأثير السلبي للإعلام.

 

حلم زائف

* ومتى يكون الإعلام سببًا للمشكلات بين الزوجين؟

** لقد تركنا الإعلام يرسم لنا أحلامنا سواء التلفزيون أو القصة أو المجلة أو الفيديو كليب أو غيرها، وبالطبع هذا الحلم غير منطقي فيتسبب في صدمة بعد الزواج وكما نعلم (إن لم تخطط لنفسك فأنت ضمن مخططاتِ الآخرين).

 

والصورة التي يرسمها الإعلام إما سوداء قاتمة وإما مثالية جدًّا غير موجودة على أرض الواقع، أو يعتاد فيها على كلمةِ الطلاق مثلاً، وكما يصور لهم أنَّ من حقهم المرور بتجارب عاطفية بل وجسدية فاشلة أو ناجحة فأصبحوا مهلهلين نفسيًّا، وأصبح تجاوبهم واستقبالهم لمتطلباتِ الحياة الزوجية ضعيفًا وافتقدوا الإحساس بقيمة هذا البناء ومسئوليتهم فيه.

 

المسئولية مشتركة

* في سبيل الحفاظ على هذا البناءِ والقيام بالمسئولية فيه.. على مَن تقع المسئولية في استيعاب هذه المشاكل؟

** المسئولية بالطبع مشتركة بين الزوجين، ولا ننسَ قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: من الآية 34)؛ ولكن نرى في القرآن الكريم أيضًا ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: من الآية 187).. فنلمس في الآية الكريمة تقديم دور الزوجة على الزوجِ في المبادرة بالمداعبة والإشباع النفسي والعاطفي، ولكن الرجل أيضًا عليه دور في مبادلتها هذا الإشباع.

 

لمن نشتكي؟

* إذا عجز أحد الزوجين عن حل هذه المشاكل فهل يلجأ للشكوى؟ ولمَن يشتكي؟

** يلجأ للشكوى بعد السعي للحصول على معلوماتٍ صحيحةٍ والبحث عن مصادر علمية كالمصادر المتخصصة ولا بد من الاتجاه بالشكوى فقط إلى جهة محايدة ومتخصصة والابتعاد عن طرح المشكلات على الأهل والأصدقاء؛ فذلك قد يزيد المشكلات تفاقمًا ويحيد بنا عن الطرق العلمية في حلها.

 

* لماذا اختلف الزوجان اليوم عمَّا كان عليه الأزواج في السابق؟

** الاختلاف أمر طبيعي ناتج عن اختلاف المجتمعات، فالمجتمع اليوم مختلف والمتغيرات التي طرأت عليه كثيرة من تطور تكنولوجي ومفاهيم ثقافية ووسائل إعلام واختلافنا نحن كأشخاص ومربين نعد أزواج المستقبل عن آباء وأمهات لأزواج في الأجيال السابقة والاختلاف لا يقتصر على السلبيات فقط إنما له إيجابياته بالطبع، لكن المهم كيف نوجه أنفسنا لاستغلال هذه الإيجابيات وتلافي السلبيات.

 

الارتباط العاطفي

 

* كان الأزواج في عصر أجدادنا وآبائنا لا تتأثر علاقتهم العاطفية حتى مع وجود مشكلات في حياتهم، لماذا غاب الارتباط العاطفي بين الزوجين؟

** غياب الحب مبني بالدرجةِ الأولى على التربيةِ على روح الندية والأنانية بمعنى أن يكون المهم لي هو ماذا أريد وماذا أحتاج؟ وليس ماذا نريد وماذا نحتاج؟، وكذلك عدم القناعة بالعطاء القليل من الشريك، أيضًا الحب المشروط كأن أقول إذا كنت تحبني تفعل كذا كالصفقة وغياب لمسات التعبير عن هذا الحب بالسلوك، فربما تكون الشجرة موجودة لكن لا يحرص الطرفان على إروائها باللمساتِ والابتسامةِ والكلمة المعبرة والصفاء والهدية أو الوردة وكذلك غياب التقدير والعطف الإنساني بين الزوجين، فالحياة الزوجية طائر جناحاه الحب والاحترام.

 

الكرامة والطاعة

* بعض الزوجات يخلطن بين الطاعة واحترام الزوج ومفهوم الكرامة.. ما الخطوط الفاصلة؟

** الطاعة والكرامة مختلفان تمامًا فلا علاقةَ بينهما وليس في طاعةِ المرأة لزوجها امتهان لكرامتها بل طاعة لربها وسعادة في بيتها إلا أن الزوج يقدم هذه الأوامر في إطار الحوارِ أي ممزوجة بالشورى والاحترام المتبادل بين الطرفين والتقدير لا بد أن يكون سلوكًا أي يجب التعبير عنه ليصل الطرف الآخر واحترام الزوجة لزوجها يؤدي إلى احترامه لها والعكس، والوصول إلى ذلك يتطلب محاولة كل منهما إرضاء الآخر ومعرفة الخطوط الفاصلة التي لا يجدر به تخطيها والإحساس بالشريك والجهود التي يبذلها وعدم التجريح خصوصًا أمام الآخرين.

 

* تبذل المرأة جهودًا كبيرةً في رعاية أسرتها وبعضهن يعتبرن ذلك عملاً بلا مقابل ماذا تقولين لهن؟

** الإنسان تزداد قيمته وشعوره بذاته كلما ازدادت قيمة العمل الذي يقوم به وأكبر قيمة في المجتمع هي إعداد الإنسان الذي هو أعظم بناء، والمرأة بفطرتها وغريزتها تميل إلى هذا الدور أي يمثل إشباعًا لها كما لا ننسى الأجر الذي وعدها به المولى عز وجل ورسوله الكريم لقاء طاعة زوجها وتربية أبنائها وأن الابن الصالح من الأعمال التي لا تنقطع بعد وفاة الإنسان "وولد صالح يدعو له"، ولا بد أن تتذكر دائمًا أن الإعلام موجه لهدم الأسرة بإعلاء القيمة المادية عند المرأة، كما أن الرضا عن العطاء الذي تقدمه مهم أي لا تشعر بالتقصير.

 

المرأة العاملة

 

* قد تشعر المرأة العاملة بهذا التقصير أكثر من غيرها فهل يمكن لها أن تنجح كزوجة في ظل الأعباء والضغوط التي تواجهها؟

** بلا شك يمكنها أن تنجح ونجاحها مرهون بعدة أمور:

- التوازن بين دورها في البيت والعمل.

- تحديد أولوياتها فهي أولاً زوجة وأم قبل أن تكون امرأة عاملة وإلا قبلت زوجة بديلة.

- تنظيم وقتها وتقليل فترات غيابها عن البيت.

- توزيع الأدوار داخل البيت على أفراد الأسرة ومشاركتها في الأعباء المنزلية.

- توعية الأبناء بأهمية عملها والعائد منه سواء وضع اجتماعي أو عائد معرفي أو مادي.

 

الحل

* كيف يمكن للزوجين استيعاب الخلافات وتفاديها؟

** أولاً: لا بد من البحث عن مصادر علمية لاكتساب المعلومات الصحيحة (الاشتراك في مجلة أو جريدة، الاطلاع على شبكة الإنترنت، حضور ندوات، دورات، استشارة متخصصين) فالوقاية خير من العلاج.

 

ثانيًا: تفهم الآخر وإدراك صفاته وشخصيته، سماته، هواياته، طبيعة عمله مشكلاته عيوبه وقبول فكرة الاختلاف والتعايش معها وإدراك أن لنا عيوبًا كما للآخر عيوب.

- البحث عن الأسباب المؤدية إلى المشكلة وعلاجها هل هناك ضغوط نفسية، مشكلات أخرى والتركيز على إشباع الحاجات النفسية والمعنوية للآخر.

- التقليل من النقد وتشجيع الشريك والتركيز على المميزات والوقوف الجدي على الخلافات وحلها.

- لا نرجع كل تصرف إلى أنه متعمد ضدنا فلا نشك في حسن النية ولنحذر قوله تعالى ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

- استخدام الحوار مع الذات قبل مناقشة المشكلات.

- الحرص على اللجوء لله تعالى والإلحاح في الدعاء ولا سيما ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.

- المواظبة على أذكار الصباح والمساء وكذلك الرقية الشرعية وثقي أن الله تعالى لن يضيعك أبدًا وإخراج صدقة ولو بسيطة.

 

الحوار الناجح

* إذا وقع الخلاف كيف يدير الزوجان حوارًا ناجحًا لاجتيازه؟

** أولى خطوات النجاح في الحوار هو الحوار مع الذات ونقصد به أن يراجع كل شريك نفسه قبل وقت الخلاف ويحدث في دقائق معدودة عقله بصدق:

- هل بالغت في تضخيم عيوب الطرف الآخر؟

- هل كنت قاسيًا في بعض المطالب؟!

- هل حملت شريكي مسئولية الأمر كله دون تحمل نفس المسئولية؟

- ما الطريقة التي يرضي عنها الله تبارك وتعالي لأعبر بها عما أود مناقشته فيه؟.. ولتذكر جميعًا قوله تعالي ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

- حتى لو أخطأ الطرف الآخر فلا يكون ذلك مدعاةً و مبررًا لخطئي فكل منا سيحاسب فردًا أمام الله عز وجل.

- أذكر نفسي أن الخلاف والغضب بيئة خصبة يرتع فيها الشيطان فيعمل على إشعال النفس تجاه الطرف الآخر.

 

ثانيًا: نضع نقاطًا نتحدث عنها بشرط ألا نتعامل معه على أنه أسوأ مَن في العالم.
ونتذكر أن الله سبحانه وتعالى أخبر سيدنا موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون.. بشرط ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ (طه).. وأعتقد أن أزواجنا وزوجاتنا ليسوا كفرعون، ونحن نجهز النقاط في ذهننا نقف أمام المرآة وننظر إلى ملامح وجهنا ونصلح منها فهي أقوى من الكلام، لا نطلب الابتسام ولكن التحكم في حركات العين، والحاجبين والشفتين، بما لا يوحي بالسخرية والاستهزاء ولكن لا مانع من تعبيرات الحزن، والأسى بسبب موقف الخلاف فاللغة غير اللفظية لغة صامتة ولكنها مؤثرة ومجلجلة تحرك المشاعر إذا استخدمت بطريقة صحيحة.

 

وهناك بعض الأمور التي يجب مراعاتها أثناء الحوار:

- الابتعاد عن الجدال كما قال رسولنا الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "طوبى لمن ترك الجدال ولو كان محقًا"، وذلك حينما نجد الطريق مسدودًا في هذا الأمر على أن نعود للمناقشة في وقت لاحق.

 

- ننظر إلى الإيجابيات والأمور المشتركة ونبدأ بجزءٍ منها قبل أن نخوض في موضوعِ الخلاف.

 

- نقلل من الانتقادِ لشخصيةِ الآخر ولكن يمكن أن نعترض على السلوكِ ونشعره بأننا نُفرق بين شخصه وسلوكه.

 

- نتقبل فكرة أننا شخصان مختلفان في البيئة والتنشئة الاجتماعية، فنحاول الاستفادة من ذلك قدر الإمكان وذلك بتكامل الأدوار.

 

- نخفض من صوتنا؛ فالصوت العالي يُغضب الرب ويُثير الأعصاب ولا يحل الخلاف.

- نحاول أن نستفيد من الموقف ولا نكرر الأخطاء، فلا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين.

- أجمل ما في الخلاف هو التراضي بعده وخيركما الذي يبدأ بالصلح.

 

واعلما أنَّ الخلافَ في موضوعٍ معين لا يعكر صفو الحياة واتفقا على أسلوب حسن إدارة الأزمات وضعوا لها سيناريو على أن يذكر كل طرف ما يجب أن يفعله الطرف الآخر وقت الخلاف.

- لنتذكر دائمًا أنَّ هناك مَن شياطين الإنس والجن مَن يسعون لهدم كيان الأسرة
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟