دخول

هكذا تربي نفسك

إن قضية تربية النفس ينبغي أن تحتل مكانة وأهمية لدى كل منا، لأن الشاب إذا ملك زمام نفسه وقدر عليها كان بعون الله على غيرها أقدر، وفي ارتقاء سلم المعالي أسرع، أما إن كانت الأخرى فعجز أمامها وأفلت منه زمامها كان على غيرها أعجز، وفي مشيته يتلكأ، حتى يقعد عن الخيرات ويفرط في الصالحات، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

ولئن سَبقَت هذه الكلمات إطلالة على أهمية تربية الذات، فهذه إطلالة أخرى تعمد إلى بناء جوانب التربية الذاتية، ووسائل هذه التربية، إنها إطلالة تتعلق بأصل قضية تربية الذات وترسم معالم الطريق إليها؛ كي يستطيع الإنسان أن يدفع شعوره بأهمية الموضوع إلى واقع عملي يحيا به، وكي لا يكون مجرد شعور سرعان ما يطير أدراج الرياح:

صلتك بالله:

إنها الصلة بالله تبارك وتعالى فإنها ولاشك أهم هذه الجوانب؛ فتربية الذات على الصلة بالله إنما هي أصل الأصول في قضية التربية الذاتية وعلى إثر هذه الصلة بالمولى عز وجل يأتى ما بعدها من ثمرات، أما عن وسائل تحقيق هذه الصلة بالله تبارك وتعالى، فتتمثل في اهتمام الشاب بالفرائض والطاعات والثبات على اجتناب النواهي والمحرمات، ومحاسبة النفس على مدى المحافظة أو التقصير في هذه الطاعات والفرائض.

فإن المرء بذلك يبني صلته بالله ويضع أسسها، ثم تأتي بعد ذلك الاستزادة من النوافل كنوافل الصلاة والصيام وغيرهما لتشد هذه الصلة وتوطد هذه العلاقة بعلام الغيوب سبحانه وتعالى، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها، وإن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه) [رواه البخاري].

تحصيل العلم:

وثاني هذه الجوانب هو العلم الشرعي، ومن فضل الله ومنته أن وسائل تحصيل العلم الشرعي ميسرة لمن أراد لذلك سبيلًا، فإما من خلال حلقات ومجالس العلم التي تعقد في بيوت الله جل وعلا، أو من خلال الدراسة في المعاهد والجامعات المختصلة، هذا بالإضافة للأنشطة المختلفة التي تعنى بالشباب وتقام فيها دروس علمية خاصة بهم، وإلى جانب ذلك يلعب الجهد الفردي الذي يبذله الشاب دورًا كبيرًا في تحصيل العلم، سواء من خلال مدوامة القراءة والاطلاع، أو الاستماع مثلًا للأشرطة التي تحوي المواد العلمية.

وها هو الإمام ابن الجوزي يوصي ابنه فيقول: (وأول ما ينبغي النظر فيه معرفة الله تعالى بالدليل... ثم يتأمل دليل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، وأكبر الدلائل القرءان الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله... ثم ينبغي له أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة، والزكاة إن كان له مال، والحج، وغير ذلك من الواجبات، فإذا عرف قدرَ الواجب وقام به فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرءان وتفسيره، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة سِيَرِه وسِيَر أصحابه والعلماء بعدهم، ليتخيَّر مرتبة الأعلى فالأعلى) [لفتة الكبد في نصيحة الولد، ابن الجوزي، ص (3،2)].

العلم يهتف بالعمل:

وثالث هذه الجوانب هي تربية الذات على العمل، لأن الإنسان لا ينبغي أن يعتمد في تربيته لنفسه على الجانب النظري فحسب دون العمل، إذ الإنسان لو أراد أن يتدرب على مهنة أو حرفة معينة، ويبلغ فيها حد الإتقان فإنه لا يقتصر على سؤال من يجيدها أو سؤال ذوي العلم من هؤلاء، بل ينزل هو بنفسه للميدان ويخوض التجربة ويعمل ويزاول ومن خلال التدريب والممارسة يتقن الفن ويتعلم المهنة.

خلقك الرفيع:

(فما عرف الإسلام يومًا المسلم الذي ينجح في اختبار أداء العبادات الظاهرة، فيحافظ على الصلاة والذكر والتلاوة، ثم يرسب رسوبًا ساحقًا في اختبار معاملة العباد بأخلاقيات الإسلام، حتى سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن فلانة من النساء، تصلي الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها، فقال صلى الله عليه وسلم: (هي في النار) [صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (2560)]، وكيف يا شباب لا نسعى لتربية أنفسنا على الخلق الرفيع، وقائدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم خاطبه ربه قائلًا: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ووصفته عائشة رضي الله عنها؛ فقالت: (كان خلقه القرآن) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (4811)]، وهكذا كان صحابته الكرام الأبرار، كبيرهم وصغيرهم، شبابهم وشيوخهم، رجالهم ونسائهم وأطفالهم، مجتمع بأكمله متمثل بالأخلاق النبوية الرفيعة، التي علمهم أياها محمد صلى الله عليه وسلم، جيل فذ فريد يحار الكلم في وصف سمو أخلاقه، ورفعة شمائله) [الفجر القادم، محمد السيد عبد الرازق، (19-20)].

وسائل على الطريق:

أما الآن فقد آن الأوان للحديث عن الوسائل التي تعينك في طريقك إلى تربية ذاتك وتقويمها، وأول هذه الوسائل في طريقك نحو تربية نفسك الصلة بالله جل في علاه:

الصلة بالله: ولئن اتفقنا منذ قليل أن صلتك بالله أحد الجوانب التي يجب أن تهتم بها في تربية نفسك، فنحن الآن نزيد في الإيضاح والبيان فنقول لك أن الصلة بالله جل في علاه هي كذلك أحد أهم الوسائل في تربية النفس.

ولئن كنا قد أوضحنا ونحن نتحدث عن صلة المرء بالله ـ كأحد أهم الجوانب في تربيته لنفسه ـ أنها تتمثل في المحافظة على الفرائض ومتابعتها بالنوافل بمختلف صورهاه، فإننا الآن ونحن نتحدث عن صلة المرء بالله نضيف إلى ما قد سبق وذكرناه ضرورة سعي المرء لتطهير القلب من التعلق بغير الله، (فصلاح القلب مناط تربية الصلة بالله عز وجل، بل هو مناط النجاة يوم القيامة، قال الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-88]، في هذه الآيات يدعو إبراهيم عليه السلام ربه أن يأتي يوم القيام بقلب سليم، وفي الآية الأخرى وصفه تبارك وتعالى بأنه جاء ربه بقلب سليم {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83-84].

أليس صلاح الجسد كله وفساد كذلك يتوقف على تلك المضغة الصغيرة، ألا وهي القلب وبذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، حينما قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه].

وإذا ظفرت بهذه (صلة قوية بالله)، فإن الحال يستقر والأمور تستقيم، والنفس تطمئن، والقلب يضيء:

فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا

ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

الوسيلة الثانية: القراءة والمطالعة:

ولا شيء أكثر دلالة على أهمية هذا العنصر، سوى إجابتك بنعم على هذه الأسئلة:

ألست تقرأ في كتب الرقائق ما يرقق قلبك؟

ألست تتطالع في كتب تراجم العلماء ما يزكي همتك للبذل والدعوة؟

ألست تجد بين ثنايا كتب الأخلاق والسلوك، ما يسمو بك إلى أخلاق الصالحين والطائعين؟

إذا كانت الإجابة بنعم، فإننا إذًا في حاجة ماسة للإمساك بهذه الوسيلة في طريقنا نحو تربية ذاتنا، فهي تعمل توسيق آفاق الإنسان، وتزيده قدرة على حل المشكلات، والتعامل الصحيح مع الأخطاء، كما أنها تسهم في تنمية كافة الجوانب.

الوسيلة الثالثة: أنفاسك المعدودة:

(ويتأكد هذا الأمر في حق من اشتغلوا بدعوة غيرهم وتربيتهم؛ فهذا العمل يأخذ عليهم زبدة أوقاتهم، لكن الاعتناء بتنظيم الوقت والحزم مع النفس في ذلك مما يعينهم على أن يوفروا لأنفسهم قدرًا من الوقت كان يضيع سدى؛ فيستثمروه في تربية أنفسهم والرقي بها، إن استغلال الوقت مهارة وقدرة يحتاج الشاب أن يربي نفسه عليها، وليست مجرد اقتناع من الإنسان بأهمية الوقت) [تربية الذات، د.إبراهيم الدويش].

فحذاري يا شباب من إهدار الوقت (ولذا كان يقال: (أن من علامة مقت الله سبحانه وتعالى إضاعة الوقت)، وكذلك قيل: (الوقت كالسيف؛ إن لم تقطعه قطعك)، ويقول الحسن البصري عليه رحمة الله: (يا ابن آدم: إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم، ذهب بعضك) [مستفاد من: شباب بلا مشاكل، د.أكرم رضا، (272)].

الوسيلة الرابعة: صناعة الإنجار:

إن إنجازًا كبيرًا يصنعه ذلك العامل الذي نتحدث عنه هنا، إنه عامل الإنجاز، فهناك برامج عامة يتلقاها الشاب مع إخوانه، كحلق العلم ومجالس حفظ القرآن والتجمعات الخيرية إلى آخر ذلك، ولاشك أن هذه الأنشطة تحتاج من الشاب تفاعلًا كبيرًا، وذلك من خلال التركيز والاستيعاب، ومن خلال أخذ النفس بالعمل والتطبيق بعد ذلك، ومن ثم تكون هذه الأنشطة بناء حقيقيًا في شخصية الشاب ودفعًا به نحو الأمام، إذا أحسن التفاعل معها والاستفادة منها، بما يرجع ببالغ الأثر على نفسه خاصة في مجال تربيتها.

الوسيلة الخامسة: الجماعية:

إن المتأمل الحاذق في قضية التربية يعلم ما للجماعية من أهمية، فاسمع مثلًا لتلك الكلمات الجميلة التي ذكرها الأستاذ محمد قطب في كتابه منهج التربية الإسلامية حيث يقول: (وينبغي أن نذكر بصفة عامة أن التنمية النفسية الصحيحة لا تتم في كيان فرد يعيش بمفرده في عزلة عن الآخرين وفي هذه الفترة بالذات ـ وهو يتحدث عن فترة الشباب الباكر ـ كيف يتدرب الإنسان على الأخوة إذا لم يمارس الأخوة بمشاعرها؟ مع الإخوة الذين يربطهم به هذا الرباط؟ كيف يتدرب على التعاون إذا لم يقم بهذا الفعل مع أفراد آخرين؟ كيف يتعود أن يؤثر على نفسه إذا لم يكن هناك إلا نفسه؟ إن الوجود في الجماعة هو الذي ينمي هذه المشاعر وهذه الألوان من السلوك، والشاب الذي يعيش في عزلة عن الآخرين وإن حاول أن يستقيم على المنهج السليم تنمو بعض جوانب نفسه وتظل جوانب أخرى ضامرة؛ لأنها لا تعمل) [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب].

إن بعض الشباب يقول: علي أن أنعزل لوحدي لأهتم بتربية نفسي، وهذا غير صحيح فالجماعية مهمة للتربية الذاتية لأمور:

(أولًا: هناك أمور جماعية لا يمكن أن تؤديها إلا من خلال الجماعة، كمشاعر الأخوة والتعاون والإيثار والصبر على جفاء الآخرين.

ثانيًا: من خلال الجماعة تجد القدوة الصالحة، وهي مهمة للتربية.

ثالثًا: من خلال الجماعة تجد القدوة السيئة وهي أيضًا مهمة للتربية؛ فحين ترى فردًا سيء الخلق تدرك كيف يخسر الآخرين، ومن ثم تدرك شؤم سوء الخلق، وترى إنسانًا كسولًا فتدرك أثر الكسل والتفريط، إذًا أنت تحتاج إلى القدوة السيئة لا تلازمها وتعاشرها لكن عندما ترى هذا النموذج تجتنبه.

رابعًا: اكتشاف أخطاء النفس، وترويضها؛ فالإنسان الذي يعيش في عزلة يكون في الأغلب إنسانًا حادًا في تعامله مع الآخرين، مثاليًّا في أحكامه وفي المشروعات التي يطرحها وعندما ينتقد الآخرين وعندما يوجههم، فهو مهما امتلك من القدرات تبقى لديه جوانب قصور واضحة، من خلال العزلة والسياج الذي فرضه على نفسه، ومن هنا نقول لابد من الجماعة في التربية الذاتية) [تربية الذات، م د.محمد الدويش].

الوسيلة السادسة: الثقة بالنفس:

دعونا نتفق أيها الشباب بداية أن الشاب الذي يمتلك شعورًا بأنه قادر على أن يرقى بنفسه في درجات الكمال البشري، يستطيع أن يحقق كثيرًا من الإنجازات، ويكون أقدر بعون الله على تربية نفسه، أما المنهزم نفسيًا الذي لا يثق بنفسه فإنه من العسير عليه أن يصنع إنجازًا أو يرقى بنفسه.

(فالكثير منا يرهق نفسه، دون قصد بوقوعه في خطأ التقليل من شأن نفسه، مما يدفعنا إلى الشعور بالفشل في الثقة بقدراتنا وحكمتنا) [لا تهتم بصغائر الأمور للمراهقين، د.ريتشارد كارلسون، (36)]، ومن ثم يكون الإحباط، ونبقى محلك سر.

كما ينبغي أن نراعي الوسط الذي هو الحق بين الطرفين طرف الإفراط والآخر التفريط، فالإنسان يجب أن يثق أن قادر على أن يفعل هذا الشيء بعون الله ومدده، مما يحول بينه وبين إصابته بغرور مدمر أو إعجاب مزلزل، بل مع ثقته بنفسه، يعلم يقينًا من نفسه التقصير والخطأ.

الوسيلة السابعة: محاسبة النفس:

وذلك بأن تشعر في محاسبة نفسك، أثناء العمل وبعده وتكافئ نفسك إن أحسنت وتحاسبها إن قصرت، كما كانت وصية فاروق الأمة حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا، ويروى عن ميمون بن مهران أنه قال: (لا يكون العبد تقيًا حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، من أين مطعمه وملبسه) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (2/114)].

لمعرفة المزيد http://www.islammemo.cc/mostashar/shabab/2009/09/30/87937.html#ixzz0YLl9xiqM
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟