دخول

التسول.. ظاهرة شوهت المجتمع بأناس ضعيفة نفوسهم

موقع خير أون لاين

التسول وسيلة ممقوتة وبغيضة من وسائل الكسب السهلة وغير المشروعة التي تفرز أفراداً من مختلف الفئات يكونون عالة على المجتمع، ويسهمون في ضعفه وهوانه وتقديم صورة سيئة له، والإسلام يغرس في نفس المسلم كراهة السؤال للناس؛ تربية له على علو الهمة وعزة النفس، والترفع عن الدنايا، وإن رسول الإسلام ليضع ذلك في صف المبادئ التي يبايع عليها صحابته، ويخصها بالذكر ضمن أركان البيعة. فعن أبي مسلم لخولاني قال: حدثني عوف بن مالك قال: "كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: "ألا تبايعون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "؟ ولنا حديث عهد ببيعة. قلنا: قد بايعناك! حتى قالها ثلاثاً، وبسطنا أيدينا فبايعنا، فقال قائل: يا رسول الله، إنا قد بايعناك فعلام نبايعك؟ قال: "أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا"، وأسرَّ كلمة خفية، قال: "ولا تسألوا الناس شيئاً" قال راوي الحديث: "فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل أحداً أن يناوله إياه".

ونحن إذ نسلم بأن من أهم الثوابت التي تقوم عليها المملكة العربية السعودية هو نظرها بعين العطف والرحمة عند معاملاتها مع ذوي الحاجات بما يحقق التواد والتراحم والتكافل بكافة صوره وفق ما تدعو إليه رسالة الإسلام الخالدة، فإننا ندرك في الوقت نفسه أن العقيدة الإسلامية تدعو إلى العمل والكسب المشروع وتنهى عن التسول وتربية اليد السفلى وتمقت من يمد يده دون حاجة ماسة.

ونحن نواجه يوميا عشرات المتسولين من النساء والشباب والعجائز والأطفال الذي منهم من يجري خلفك رامياً بكل معالم الطفولة خلفه، يجري وكله إصرار على ألا تغادر إلا وتضع بيده القليل من الريالات.. أما النساء فحدث ولا حرج، منهن من ترمي بحيائها لتقف عند الصرافات الآلية لتدعي أنها صاحبة حاجة، ومنهن من تجدها عند أبواب المحلات الكبرى والسوبر ماركت، وعند أبواب المساجد وعند محطات الوقود والإشارات الضوئية.

ويأتون إلى البيوت أحيانا كثيرة وقد يستخدمون أدوات مختلفة، فما الفرق بين الذي يحمل صك مدين أو فاتورة علاج أو إصابة بحادث أو فاتورة المنزل، هل فعلا جميعهم محتاجون ويجب مساعدتهم؟!

نعم التكافل الاجتماعي مطلوب، والصدقة يشجع عليها الدين. لكن المشكلة أنك قد لا تعرف الصادق من الكاذب المحتال، فقد نكون سببا في تشجيعهم على البطالة، ونساعد في تدمير مجتمعنا إذا أعطيناهم ما يريدون.

فلو أعطينا كل متسول ما طلب لكان ذلك سبباً في كثرتهم، وسبباً في انتشار هذه الظاهرة التي تؤرق المسؤولين ليل نهار.

لا تنس أن حبك للمساعدة سيجلب الدمار لمجتمعك، ولا تنس أن حكومتنا الرشيدة - وفقها الله - قد أنشأت في كل منطقة، بل في كل قرية، جمعيات لمساعدة المحتاجين. فلو كان هؤلاء الأشخاص محتاجين لسارعوا بالتسجيل في تلك الجمعيات وخلصوا المجتمع من تشوّه قد يصيبه.

المساجد مأوى لهم
ثم إن الأمر لم يكتف عند هذا الحد، بل تعدى الكثير منهم إلى التسول في بيوت الله، فالمساجد لم تبن لاستدرار المال وكسر قلوب المصلين واستعطافهم من أجل البذل والعطاء، بل الغاية منها أعظم من ذلك بكثير، فالمساجد بيوت عبادة، ومزارع خير للآخرة، فالأصل فيها إقامة ذكره جل شأنه، والصلاة وغير ذلك من محاضرات ودروس علمية، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (36) سورة النــور، فالواجب على الجميع احترام بيوت الله تعالى من كل ما يدنسها، أو يثير الجدل والكلام غير اللائق بها، فليست بأماكن كسب وسبل ارتزاق، لجمع حطام الدنيا، لذلك فهي لا تصلح مكاناً للتسول ورفع الصوت ولغط الكلام، كمن يتسول ويسأل الناس من أموالهم. ويحرم أن تكون بيوت الله تعالى مكاناً لكسب حطام الدنيا، وأقرب ما تقاس عليه مسألة التسول مسألة البحث عن الضالة، والجامع بينهما البحث والمطالبة بأمر مادي دنيوي، فناشد الضالة يبحث عن ماله دون شبهة، ومع ذلك أمر الشارع الكريم كل من في المسجد بأن يدعو عليه بأن لا يجد ضالته، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" فمسألة التسول مسألة أرقت الأمة اليوم، وأيقظت الغيرة عند الغيورين، وكثر فيها الجدل عند الكثيرين، فلا تكاد تصلي في مسجد إلا ويداهمك متسول وشحاذ، ويطاردك سائل ومحتاج، وليس العجب في هذا، ولكن العجب عندما ترى رجلاً أو شاباً يافعاً وهو يردد كلمات لطالما سمعناها، ولطالما سئمناها، فيقف أحدهم ويردد كلمات عكف على حفظها أياماً طوالاً، وساعات عديدة، مدفوعاً من قبل فئة مبتزة، أو جهة عاطلة، تريد المساس بأمن هذا البلد واستقراره، وتشويه صورته أمام المجتمعات، إن تلك المناظر المخجلة التي نراها في بيوت الله تعالى لهي دليل على عدم احترام المساجد، وعدم معرفة السبب الذي من أجله بنيت، ودليل على نزع الحياء، وعدم توقير لبيوت الله تعالى، ووضاعة في أخلاق أولئك المتسولين والشحاذين والمبتزين لأموال الناس والآكلين لها بالباطل، وكم تطالعنا الصحف اليومية بتحقيقات صحفية مع أولئك المبتزين من رجال ونساء، ولسان حالهم جميعاً يقول: نريد مالاً بلا عمل، لقد فسخوا الحياء من وجوههم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

أطفال التسول
ظاهرة المتسوّلين المحترفين الذين تغصّ بهم شوارع مملكتنا انتشرت بشكل واسع، وانتشرت طرق لا يجيدها الهواة، بل محترفو التسول هم وحدهم الذين يتقنون أدوارهم بشكل كبير، واستغلال الأطفال من خلال تشغيلهم في الشوارع بعد خطفهم من قبل عصابات منظمة ظاهرة سلبية لم تَسلَم منها حتى البلدان الغنية كالمملكة العربية السعودية.

وظاهرة التسوّل التي تفجرّت في مختلف المدن السعودية فجّرت معها تساؤلاً حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إحدى أغنى دول العالم وأكبر مصدّر نفطي، لكن علامات الاستفهام تتزايد مع تأكيد الأجهزة الرسمية أن نحو 90% من ممتهني التسوّل هم من خارج السعودية، وخاصة من اليمن وغالبيتهم من الأطفال اليمينيين الذين تولّت عصابات متخصصة تهريبهم إلى السعودية، لتأتي الأرقام مذهلة تتحدث عن عشرات الآلاف من الأطفال المختطَفين والمهرَّبين من اليمن إلى داخل المدن السعودية فيما يشبه الغزو المنظم الذي تعترف الحكومة اليمنية بعجزها عن معالجته.

وبحسب تقارير لمنظمات مدنية مهتمة بهذه الظاهرة فإن عدد الأطفال الذين هربوا إلى السعودية خلال العام الماضي وصل إلى (50.000) طفل. ونظرا لإهمال الحكومة اليمنية لهذه الظاهرة وتعمد تجاهلها، لا توجد سوى دراسة رسمية واحدة في هذا الجانب أجراها المركز اليمني للدراسات الاجتماعية وبحوث العمل، وكانت بمبادرة من منظمة اليونيسيف، فقد كشفت أنه يجري تهريب الأطفال على دفعات أو مجموعات، إما عبر الشاحنات أو سيرا على الأقدام، مما يعرضهم لمخاطر صحية كثيرة، مثل الإصابة بالعديد من الأمراض والجوع والعطش وحتى الموت، وكذا تعرضهم للاعتداءات الجسدية والاغتصاب، وبعضهم يموتون بحوادث سير. وأضافت الدراسة أنه في رمضان الماضي لقي ثمانية أطفال مصرعهم في حوادث مرورية أثناء رحلتهم إلى السعودية.

وأوضح التقرير أن الحكومة السعودية رحّلت في شهر واحد فقط نحو 56 ألف يمني إلى بلادهم، 10% منهم من الأطفال وهذا هو المعدل الشهري لعمليات الترحيل التي تتم على منفذ حَرَض الحدودي بين السعودية واليمن.

كما يتعرض الأطفال للتشرد حيث لا مساكن تؤويهم ولا يحصلون على الرعاية الصحية لا في السعودية ولا في اليمن بعد إعادتهم، وقد يخسرون كل ما بحوزتهم جراء نهبهم من قبل من يعرفون بـ"المشلحين". فهؤلاء الأطفال لا تدفعهم الحاجة، فقد وجد أن هناك منظمات أو مجموعة من الأفراد أو مجموعة من العصابات تتاجر على دخل هؤلاء وعن طريق استدرار عطف المواطن أو المقيم.

فالعصابات المنظمة تهرّب عشرات الآلاف من الأطفال بعد اختطافهم، إضافة إلى المعوّقين وكبار السن، الأمر الذي تواجهه في المقابل عملية ترحيل نشطة من السعودية والتي تصل إلى معدلات خيالية.

إحصاءات من التسول
أظهرت دراسة سعودية أن 81.8% من المتسولين في المملكة هم من غير السعوديين ومن متخلفي الحج والعمرة وممارسة التسول للحصول على الرزق والبقاء بالمملكة أطول مدة ممكنة.

وأوضحت الدراسة التي نشرت السبت 4-3-2006 أن 49.5% تبلغ أعمارهم 18 عاماً و18% تراوح أعمارهم من 30-50 عاماً وأن الغالبية العظمى ممن يزاولون التسول هم من الأطفال والمراهقين.

وقالت الدراسة "إن 51.5% من الذين يمارسون التسول هم من النساء وذلك لقدرتهن في التخفي والإلمام بوسائل وأشكال التسول وهن أكثر قدرة على الاستعطاف".

وأشارت الدراسة إلى أن 88% من العينة كانوا من المتزوجين بزوجة واحدة و8.1% من العينة من المتزوجين بزوجتين و2.9% هم من المتزوجين بثلاث زوجات.

وقالت إن 49% من المتسولين من الأميين وإن 60% من الذين يتسولون يتمتعون بصحة جيدة وممارستهم للتسول تعود لقلة فرص العمل.

وأوضحت الدراسة أنه "لا توجد علاقة بين الإعاقة والتسول.. وإن أفراد العينة يسكنون في بيوت إيجار ومن ذلك يظهر أن الالتزامات المالية بالسكن قد تكون من الأسباب التي تدفع للتسول وأن 72.7% يسكنون في منازل شعبية".

وأشارت إلى أن "انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل يمثل عاملاً أساسيا من العوامل التي تدفع للتسول حيث ظهر أن 91% يرون أن دخلهم غير كاف وأن 65% من الأسر تشجع أبناءها على ممارسة التسول".

وأوضحت الدراسة أن "3.5% من السعوديين الذين يمارسون التسول في مكة المكرمة لا يسكنون فيها وإنما يأتون إليها لاستغلال مواسم العمرة والحج". وعادة ما تنشر الصحف السعودية أنباء عن إلقاء القبض على متسولين من عدد من الجنسيات، خاصة العربية منها.

وأضافت الدراسة أنه في رمضان الماضي لقي ثمانية أطفال مصرعهم في حوادث مرورية أثناء رحلتهم إلى السعودية.

العلاج العملي
أولهما: تهيئة العمل المناسب لكل عاطل قادر على العمل، وهذا واجب الدولة الإسلامية نحو أبنائها. فما ينبغي لراع مسؤول عن رعيته أن يقف مكتوف اليدين أمام القادرين العاطلين من المواطنين، كما لا يجوز أن يكون موقفه منهم بصفة دائمة مد اليد بمعونة قلت أو كثرت من أموال الصدقات، فقد ذكرنا في مصارف الزكاة قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي"، وكل إعانة مادية تعطى "لذي مرة سوي" ليست في الواقع إلا تشجيعاً للبطالة من جانب، ومزاحمة للضعفاء والزمنى والعاجزين في حقوقهم من جانب آخر، والتصرف السديد توفير العمل لهم وحثهم عليه.

ثاني الأمور، التي يتمثل فيها العلاج العملي للمسألة والتسول في نظر الإسلام، هو ضمان المعيشة الملائمة لكل عاجز عن اكتساب ما يكفيه، وعجزه هذا لسببين:

(أ) إما لضعف جسماني يحول بينه وبين الكسب لصغر السن وعدم العائل كما في اليتامى، أو لنقص بعض الحواس أو بعض الأعضاء، أو مرض معجز... إلخ، تلك الأسباب البدنية التي يبتلى المرء بها، ولا يملك إلى التغلب عليها سبيلاً. فهذا يعطى من الزكاة ما يغنيه، جبراً لضعفه، ورحمة بعجزه، حتى لا يكون المجتمع عونا للزمن عليه، على أن عصرنا الحديث قد استطاع أن ييسر بواسطة العلم لبعض ذوي العاهات كالمكفوفين وغيرهم، من الحرف والصناعات ما يليق بهم، ويناسب حالتهم، ويكفيهم هوان السؤال، ويضمن لهم العيش الكريم، ولا بأس بالإنفاق على تعليمهم وتدريبهم من مال الزكاة.

(ب) والسبب الثاني للعجز عن الكسب هو انسداد أبواب العمل الحلال في وجه القادرين عليه، رغم طلبهم له، وسعيهم الحثيث إليه، ورغم محاولة ولي الأمر إتاحة الكسب لهؤلاء. فهؤلاء - ولا شك - في حكم العاجزين عجزاً جسمانياً مقعداً، وإن كانوا يتمتعون بالمرة والقوة؛ لأن القوة الجسدية وحدها لا تطعم ولا تغني من جوع، ما لم يكن معها اكتساب.

وقد روى الإمام أحمد وغيره قصة الرجلين اللذين جاءا يسألان النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة فرفع فيهما البصر وخفضه فوجدهما جلدين قويين فقال لهما: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب"، فالقوي المكتسب هو الذي لا حق له في الزكاة.

فالزكاة لو فهمت كما شرعها الإسلام، وجمعت من حيث أمر الإسلام، ووزعت حيث فرض الإسلام أن توزع، لكانت أنجح وسيلة في قطع دابر التسول والمتسولين.

فمن هنا يمكن الحد من هذه الظاهرة ومحاولة حصرها بدراسة لأوضاع المتسولين من أهل البلد، أما المتسول من خارج هذه البلاد فيرحل إلى دياره.
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟