دخول

سورة الذاريات الآيات [22 - 23]

في ظلال القرآن

وبعد فقد كانت اللفتة الأولى إلى معرض الأرض ; وكانت اللفتة الثانية إلى معرض النفس . ثم تلتهما في السورة لفتة إلى معرض الغيب العلوي المطوي , حيث الرزق المقسوم والحظ المرسوم:
(وفي السماء رزقكم وما توعدون). .
وهي لفتة عجيبة . فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض , حيث يكد فيها الإنسان ويجهد , وينتظر من ورائها الرزق والنصيب . فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء . إلى الغيب . إلى الله . ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم . أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة , فهي آيات للموقنين . آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله ; ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص , والأسباب الظاهرة للرزق , فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب .
والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها ; ويفهمها على وضعها ; ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها . فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها . إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها , وألا يغفل عن الله في عمارتها . ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء . وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه , فرزقه مقدر في السماء , وما وعده الله لا بد أن يكون .
بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض ; بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات . حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولا قلبه بالسماء , وقدماه ثابتتان على الأرض . فهكذا يريد الله لهذا الإنسان . هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين .
والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته . لأنه يكون حينئذ في الحالة التي أنشأه الله لها . فطرة الله التي فطر الناس عليها . قبل أن يتناولها الفساد والانحراف . .


وبعد هذه اللمسات الثلاث في الأرض والنفس والسماء . يقسم الله سبحانه بذاته العلية على صدق هذا الحديث كله:
فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون . .
وكونهم ينطقون , حقيقة بين أيديهم , لا يجادلون فيها ولا يمارون , ولا يرتابون فيها ولا يخرصون . . وكذلك هذا الحديث كله . والله أصدق القائلين .
وقد روى الأصمعي نادرة ذكرها الزمخشري في الكشاف , ونسوقها نحن لطرافتها - في تحفظ من جانب الرواية ! - قال:
[ أقبلت من جامع البصرة , فطلع أعرابي على قعود له . فقال:ممن الرجل ? قلت:من بني أصمع . قال:من أين أقبلت ? قلت:من موضع يتلى فيه كلام الرحمن . فقال:اتل علي . فتلوت:(والذاريات). . فلما بلغت قوله تعالى:(وفي السماء رزقكم وما توعدون)قال:حسبك ! فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ; وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى ! فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف ; فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق . فالتفت , فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر . فسلم علي واستقرأ السورة . فلما بلغت الآية صاح وقال:قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا , ثم قال:وهل غير هذا ? فقرأت: (فورب السماء والأرض إنه لحق). . فصاح قال:يا سبحان الله . من الذي أغضب الجليل حتى حلف ? لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين ! قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه ] . .
وهي نادرة تصح أو لا تصح . ولكنها تذكرنا بجلال هذا القسم من الله سبحانه . القسم بذاته . بصفته:رب السماء والأرض . مما يزيد الحقيقة المقسم عليها جلالا . وهي حقيقة بلا قسم ولا يمين .
 


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟