دخول

سورة البقرة - 177

تفسير الفرطبي

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ آيَة عَظِيمَة مِنْ أُمَّهَات الْأَحْكَام ; لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ سِتّ عَشْرَة قَاعِدَة : الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته - وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى - وَالنَّشْر وَالْحَشْر وَالْمِيزَان وَالصِّرَاط وَالْحَوْض وَالشَّفَاعَة وَالْجَنَّة وَالنَّار - وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَاب - التَّذْكِرَة - وَالْمَلَائِكَة وَالْكُتُب الْمُنَزَّلَة وَأَنَّهَا حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه - كَمَا تَقَدَّمَ - وَالنَّبِيِّينَ وَإِنْفَاق الْمَال فِيمَا يَعِنّ مِنْ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَإِيصَال الْقَرَابَة وَتَرْك قَطْعهمْ وَتَفَقُّد الْيَتِيم وَعَدَم إِهْمَاله وَالْمَسَاكِين كَذَلِكَ , وَمُرَاعَاة اِبْن السَّبِيل - قِيلَ الْمُنْقَطِع بِهِ , وَقِيلَ : الضَّيْف - وَالسُّؤَال وَفَكّ الرِّقَاب , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي آيَة الصَّدَقَات , وَالْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَالْوَفَاء بِالْعُهُودِ وَالصَّبْر فِي الشَّدَائِد , وَكُلّ قَاعِدَة مِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِد تَحْتَاج إِلَى كِتَاب . وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى أَكْثَرهَا , وَيَأْتِي بَيَان بَاقِيهَا بِمَا فِيهَا فِي مَوَاضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . " لَيْسَ الْبِرّ " اُخْتُلِفَ مِنْ الْمُرَاد بِهَذَا الْخِطَاب , فَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرّ , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . قَالَ : وَقَدْ كَانَ الرَّجُل قَبْل الْفَرَائِض إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , وَقَالَ الرَّبِيع وقَتَادَة أَيْضًا : الْخِطَاب لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي التَّوَجُّه وَالتَّوَلِّي , فَالْيَهُود إِلَى الْمَغْرِب قِبَل بَيْت الْمَقْدِس , وَالنَّصَارَى إِلَى الْمَشْرِق مَطْلِع الشَّمْس , وَتَكَلَّمُوا فِي تَحْوِيل الْقِبْلَة وَفَضَّلَتْ كُلّ فِرْقَة تَوْلِيَتهَا , فَقِيلَ لَهُمْ : لَيْسَ الْبِرّ مَا أَنْتُمْ فِيهِ , وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ .

قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص " الْبِرّ " بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّ لَيْسَ مِنْ أَخَوَات كَانَ , يَقَع بَعْدهَا الْمَعْرِفَتَانِ فَتَجْعَل أَيّهمَا شِئْت الِاسْم أَوْ الْخَبَر , فَلَمَّا وَقَعَ بَعْد " لَيْسَ " : " الْبِرّ " نَصَبَهُ , وَجَعَلَ " أَنْ تُوَلُّوا " الِاسْم , وَكَانَ الْمَصْدَر أَوْلَى بِأَنْ يَكُون اِسْمًا لِأَنَّهُ لَا يَتَنَكَّر , وَالْبِرّ قَدْ يَتَنَكَّر وَالْفِعْل أَقْوَى فِي التَّعْرِيف . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " الْبِرّ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم لَيْسَ , وَخَبَره " أَنْ تُوَلُّوا " , تَقْدِيره لَيْسَ الْبِرّ تَوْلِيَتكُمْ وُجُوهكُمْ , وَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ تَوْلِيَتكُمْ وُجُوهكُمْ الْبِرّ , كَقَوْلِهِ : " مَا كَانَ حُجَّتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا " [ الْجَاثِيَة : 25 ] , " ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَنْ كَذَّبُوا " [ الرُّوم : 10 ] " فَكَانَ عَاقِبَتهمَا أَنَّهُمَا فِي النَّار " [ الْحَشْر : 17 ] وَمَا كَانَ مِثْله , وَيُقَوِّي قِرَاءَة الرَّفْع أَنَّ الثَّانِي مَعَهُ الْبَاء إِجْمَاعًا فِي قَوْله : " وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا " [ الْبَقَرَة : 189 ] وَلَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الرَّفْع , فَحَمْل الْأَوَّل عَلَى الثَّانِي أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَته لَهُ , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَف أَبِي بِالْبَاءِ " لَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تُوَلُّوا " وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود أَيْضًا , وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْقُرَّاء , وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ .

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

الْبِرّ هَاهُنَا اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ , وَالتَّقْدِير : وَلَكِنَّ الْبِرّ بِرّ مَنْ آمَنَ , فَحَذَفَ الْمُضَاف , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] , " وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل " [ الْبَقَرَة : 93 ] قَالَهُ الْفَرَّاء وَقُطْرُب وَالزَّجَّاج , وَقَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار أَيْ ذَات إِقْبَال وَذَات إِدْبَار وَقَالَ النَّابِغَة : وَكَيْف تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحْت خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب أَيْ كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَب , فَحَذَفَ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَكِنَّ ذَا الْبِرّ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " هُمْ دَرَجَات عِنْد اللَّه " [ آل عِمْرَان : 163 ] أَيْ ذَوُو دَرَجَات , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة وَفُرِضَتْ الْفَرَائِض وَصُرِفَتْ الْقِبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وَحُدَّتْ الْحُدُود أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : لَيْسَ الْبِرّ كُلّه أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْر ذَلِكَ , وَلَكِنَّ الْبِرّ - أَيْ ذَا الْبِرّ - مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ , إِلَى آخِرهَا , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَعَطَاء وَسُفْيَان وَالزَّجَّاج أَيْضًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون " الْبِرّ " بِمَعْنَى الْبَارّ وَالْبَرّ , وَالْفَاعِل قَدْ يُسَمَّى بِمَعْنَى الْمَصْدَر , كَمَا يُقَال : رَجُل عَدْل , وَصَوْم وَفِطْر , وَفِي التَّنْزِيل : " إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا " [ الْمُلْك : 30 ] أَيْ غَائِرًا , وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْدَة , وَقَالَ الْمُبَرِّد : لَوْ كُنْت مِمَّنْ يَقْرَأ الْقُرْآن لَقَرَأْت " وَلَكِنَّ الْبَرّ " بِفَتْحِ الْبَاء .


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟