دخول

سورة الضحى

في ظلال القرآن

 تعريف بسورة الضحى
هذه السورة بموضوعها , وتعبيرها , ومشاهدها , وظلالها وإيقاعها , لمسة من حنان . ونسمة من رحمة , وطائف من ود . ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع , وتنسم بالروح والرضى والأمل . وتسكب البرد والطمأنينة واليقين .
إنها كلها خالصة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] كلها نجاء له من ربه , وتسرية وتسلية وترويح وتطمين . كلها أنسام من الرحمة وأنداء من الود , وألطاف من القربى , وهدهدة للروح المتعب , والخاطر المقلق , والقلب الموجوع .
ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله [  صلى الله عليه وسلم  ] وأبطأ عليه جبريل - عليه السلام - فقال المشركون:ودع محمدا ربه ! فأنزل الله تعالى هذه السورة . .
والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله , كانت هي زاد الرسول [  صلى الله عليه وسلم  ] في مشقة الطريق . وسقياه في هجير الجحود . وروحه في لأواء التكذيب . وكان [  صلى الله عليه وسلم  ] يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصية العنيدة . ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة , وعلى الإيمان , وعلى الهدى من طغاة المشركين .
فلما فتر الوحي انقطع عنه الزاد , وانحبس عنه الينبوع , واستوحش قلبه من الحبيب . وبقي للهاجرة وحده . بلا زاد . وبلا ري . وبغير ما اعتاد من رائحة الحبيب الودود . وهو أمر أشد من الاحتمال من جميع الوجوه . .
عندئذ نزلت هذه السورة . نزل هذا الفيض من الود والحب والرحمة والإيناس والقربى والأمل والرضى والطمأنينة واليقين .
(ما ودعك ربك وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى). .
وما تركك ربك من قبل أبدا , وما قلاك من قبل قط , وما أخلاك من رحمته ورعايته وإيوائه
(ألم يجدك يتيما فآوى ? ووجدك ضالا فهدى ? ووجدك عائلا فأغنى ?). .
ألا تجد مصداق هذا في حياتك ? ألا تحس مس هذا في قلبك ? ألا ترى أثر هذا في واقعك ?
لا . لا . .(ما ودعك ربك وما قلى). . وما انقطع عنك بره وما ينقطع أبدا . .(وللآخرة خير لك من الأولى). . وهناك ما هو أكثر وأوفى:(ولسوف يعطيك ربك فترضى)!
ومع هذه الأنسام اللطيفة من حقيقة الأمر وروحه . . الأنسام اللطيفة في العبارة والإيقاع . . وفي الإطار الكوني الذي وضعت فيه هذه الحقيقة:
(والضحى . والليل إذا سجى). .
"لقد أطلق التعبير جوا من الحنان اللطيف , والرحمة الوديعة , والرضى الشامل , والشجى الشفيف:
(ما ودعك ربك وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى). .(ألم يجدك يتيما فآوى ? ووجدك ضالا فهدى ? ووجدك عائلا فأغنى ?). . ذلك الحنان . وتلك الرحمة . وذاك الرضى . وهذا الشجى:تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة , الرقيق اللفظ , ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير . الموسيقى الرتيبة الحركات , الوئيدة الخطوات , الرقيقة الأصداء , الشجية الإيقاع . . فلما أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف , ولهذه الرحمة الوديعة , ولهذا الرضى الشامل , ولهذا الشجي الشفيف , جعل الإطار من الضحى الرائق , ومن الليل الساجي . أصفى آنين من آونة الليل والنهار . وأشف آنين تسري فيهما التأملات . وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود . وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه , وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء . وصورهما في اللفظ المناسب . فالليل هو (الليل إذا سجى), لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه . الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو , وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف , والتأمل الوديع . كجو اليتم والعيلة . ثم ينكشف ويجلي مع الضحى الرائق الصافي . . فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار . ويتم التناسق والإتساق" .
إن هذا الإبداع في كمال الجمال ليدل على الصنعة . صنعة الله التي لا تماثلها صنعة , ولا يتلبس بها تقليد !
(والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك . وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى). .
يقسم الله سبحانه - بهذين الآنين الرائقين الموحيين . فيربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس . ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة مع هذا الوجود الجميل الحي , المتعاطف مع كل حي . فيعيش ذلك القلب في أنس من هذا الوجود , غير موحش ولا غريب فيه فريد . . وفي هذه السورة بالذات يكون لهذا الأنس وقعه . فظل الأنس هو المراد مده . وكأنما يوحي الله لرسوله [  صلى الله عليه وسلم  ] منذ مطلع السورة , أن ربه أفاض من حوله الأنس في هذا الوجود , وأنه من ثم غير مجفو فيه ولا فريد !


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟