دخول

سورة النور - 30

في ظلال القرآن

الدرس الثاني:30 - 31 غض البصر بين المؤمنين والمؤمنات وحدود العورة عند النساء
وبعد الانتهاء من أدب الاستئذان على البيوت - وهو إجراء وقائي في طريق تطهير المشاعر واتقاء أسباب الفتنة العابرة - يأخذ على الفتنة الطريق كي لا تنطلق من عقالها , بدافع النظر لمواضع الفتنة المثيرة , وبدافع الحركة المعبرة , الداعية إلى الغواية:
(قل للمؤمنين:يغضوا من أبصارهم , ويحفظوا فروجهم , ذلك أزكى لهم . إن الله خبير بما يصنعون . (وقل للمؤمنات:يغضضن من أبصارهن , ويحفظن فروجهن , ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ; وليضربن بخمرهن على جيوبهن , ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن , أو آبائهن , أو آباء بعولتهن , أو أبنائهن , أو أبناء بعولتهن , أو إخوانهن , أو بني إخوانهن , أو بني أخواتهن , أو نسائهن , أو ما ملكت أيمانهن , أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال , أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء . ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن . وتوبوا إلى الله جميعا - أيها المؤمنون - لعلكم تفلحون). .
إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف , لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة , ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين . فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولايرتوي . والنظرة الخائنة , والحركة المثيرة , والزينة المتبرجة , والجسم العاري . . . كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون ! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة . فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة ! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب !!!
وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة , وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين , سليما , وبقوته الطبيعية , دون استثارة مصطنعة , وتصريفه في موضعه المأمون النظيف .
ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة , والحديث الطليق , والاختلاط الميسور , والدعابة المرحة بين الجنسين , والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة . . شاع أن كل هذا تنفيس وترويح , وإطلاق للرغبات الحبيسة , ووقاية من الكبت , ومن العقد النفسية , وتخفيف من حدة الضغط الجنسي , وما وراءه من اندفاع غير مأمون . . . الخ .
شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان , والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين ! - وبخاصة نظرية فرويد - ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية , رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتا من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية , ما يكذبها وينقضها من الأساس .
نعم . شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي , والاختلاط الجنسي , بكل صوره وأشكاله , أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها . إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع ! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوما أنها لا تنشأ إلا من الحرمان , وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب , شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه . . ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد ; وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء ! وللأجسام العارية في الطريق , وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة , واللفتات الموقظة . وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد . مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود .
إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي ; لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض ; وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها . فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود . وإثارته في كل حين تزيد من عرامته ; وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة . فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة .
وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة ! والنظرة تثير . والحركة تثير . والضحكة تثير . والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير . والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية , ثم يلبى تلبية طبيعية . . وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام . مع تهذيب الطبع , وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة , غير تلبية دافع اللحم والدم , فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد !
وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين:
)قل للمؤمنين:يغضوا من أبصارهم , ويحفظوا فروجهم . ذلك أزكى لهم . إن الله خبير بما يصنعون). .
وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي , ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام . كما أن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية . ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم !
وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر . أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة , ويقظة الرقابة , والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى . ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة ; بوصفهما سببا ونتيجة ; أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع . كلتاهما قريب من قريب .
)ذلك أزكى لهم). . فهو أطهر لمشاعرهم ; وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف , وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط . وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها , وجوها الذي تتنفس فيه .
والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية ; وهو العلم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري , الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم: (إن الله خبير بما يصنعون).


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟