دخول

الذكاء العاطفي والعلاقة بين الزوجين

موقع رسالة الإسلام

 ماهو سر السعادة الزوجية؟ هذا السؤال يتردد دائما على الألسنة ويناقشه الخطباء ويكتب فيه علماء النفس والاجتماع المؤلفات الضخمة، وحوله يدندن الأدباء بقصصهم وأشعارهم..البعض يؤكد أن هذه السعادة أمر سهل يسير التحقق، وبعضهم يؤكد أنها وهم وسراب خادع، وهناك مثل مصري شائع معناه أن الزواج كإناء تعلوه طبقة من العسل الأبيض الحلوأما باقيه فهو العلقم الأسود المر، وبعض المتشائمين يشككون أيضا في حقيقة وجود طبقة العسل الحلو!

وللأسف الشديد فإن هذا الصوت هو الأشد صخبا هذه الأيام، فتجد شبابا متيسري الحال وعلى الرغم من ذلك عازفين عن الزواج لأنهم يرون حقيقة الزواج بمنظار قاتم، ولعل ذلك بعض ما أصابنا من الغرب الذي تراجعت فيه معدلات الزواج بطريقة مخيفة وأصبحت الأسرة في ضمير الإنسان الغربي عادة مرتبطة بمؤسسة كريهة تمثل قيودا خانقة على الحرية الفردية التي يقدسها.

ولا أنكر أن هناك نماذج كثيرة فاشلة في عالم المتزوجين الذين لم يتعرفوا على سر السعادة الزوجية أوخفي عليهم فلم يجربوه فانهارت حياتهم أو هي في طريقها لذلك، ولكن الحقيقة أيضا أن هناك نماذج كثيرة تعرفت على هذا السر وتفاعلت معه فأسعدت نفسها ومجتمعها؛ فما هو هذا السر الجميل.. سر السعادة الزوجية؟

الذكاء العاطفي

بعيدا عن النشأة التاريخية للمصطلح فإنه يمكن تبسيط مفهوم الذكاء العاطفي بقولنا إنه قدرة الإنسان على قراءة مشاعره ومشاعر من حوله بطريقة صحيحة، ثم قدرته على التعامل الصحيح مع هذه المشاعر، وهو قابل للنمو والنضج.

بمعنى آخر، نستطيع القول إن الذكاء العاطفي تفكير وذكاء القلب.. هذا الذكاء العاطفي هو سر السعادة الزوجية.. كيف؟

يتزوج الإنسان كي يشعر بالدفء والحب والأمن، وما العلاقة الزوجية الحميمة إلا وسيلة لتحقيق ذلك، فهي تعبير حسي قوي عن الحب والدفء، ولا يمكن أن تتحقق إلا في ظلال آمنة، ولو فقدت العلاقة الحميمية هذه الخواص واقتصرت على صورتها الحسية الآلية فقط لفقدت الحياة الزوجية مذاقها وهناءها.

والحياة الزوجية هي حياة متكاملة فيها العديد من المستويات:

ـ مستوى الحاجات المادية من نفقة وإعداد الطعام والشراب وترتيب أغراض البيت ونحو ذلك، وهذا المستوى يمثل القاعدة الاساسية لتسيير الحياة.

ـ مستوى العلاقات الاجتماعية بالأهل والجيران وصلة الرحم وهذه وشائج طبيعية للأسرة باعتبارها كيانا اجتماعيا.

ـ مستوى إنجاب الذرية ـ لمن رزقه الله ذلك- وحسن تربية هؤلاء الأولاد على هدي الكتاب والسنة، وهو هدف راق جدا ومرتبط باستمرارية المجتمع وحيويته وتجدده.

ـ مستوى الحب والدفء العاطفي الذي يضفي الهناءة على الحياة ويكون كالبلسم الذي تعالج به أي مشكلات في المستويات السابقة، وهذا هو المستوى الذي نتحدث فيه الآن.

في الحياة الزوجية السعيدة يكون الاهتمام بالعواطف هو رأس الأولويات عند الزوجين، فمن الخطأ الجسيم أن يتجاهل الإنسان مشاعره ولا يمنحها الاهتمام الكافي، بل على الإنسان أن ينصت لنفسه جيدا ويتعرف عليها بعمق ويتعلم كيف يعبر عنها بطريقة صحية، وعلى الطرف الآخر أن يتعلم كيف ينصت لمشاعر شريكه ويحترمها ويتفاعل معها وهنا يتحقق الانسجام العاطفي.

أضرب مثلا حتى يتضح ما أعنيه:

تشعر كثير من الزوجات أن زوجها يهملها ولا يعبر لها عن حبه بطريقة كافية، ويمنح أمه مثلا وقتا أطول، وهو ربما ينسى مطالبها المادية ولا يفعل ذلك مع أمه، فماذا تفعل الزوجة التي تتميز بالذكاء العاطفي؟

أولا: لابد لها من التفكير في الأمر، فتجاهل هذه المشكلة لن يحلها بل سيجعلها تكبر حتى تنفجر بصورة صارخة لاقدر الله.

ثانيا: سوف تستعين بالله وتتوضا فتحسن الوضوء وذلك سيخفف عنها كثيرا ما تجد، وتبدأ باستغفار الله عز وجل حتى تشعر أنها قادرة على التفكير بشكل واضح وبذهن صاف دون ضغوط انفعالية مدمرة أو مشاعر متهيجة تعميها عن الرؤية الصحيحة، وقد تدفع ببعض الزوجات لتخرب بيتها بيدها.

ثالثا: تبدأ بتحديد المشكلات وتفتيتها إلي قطع صغيرة، وتتعامل معها مجزأة بدلا من كونها مشكلة واحدة معقدة متشابكة الأطراف، وسوف تفكر في الأمر على طريقة، فلأضع نفسي مكانه وتحاول أن تفكر بعقلية زوجها وتلتمس له المعاذير في سلوكه، فهو يحبها وهي تعلم ذلك، وهو لا يبخل عليها وإنما كان مضغوطا في العمل فنسي ما طلبته منه، ولتقول لنفسها ولماذا لا أكون الزوجة القنوعة الهادئة.. وهل أريد لنفسي أن أكون من النساء الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم "ويكفرن العشير"؟ سوف تجد أن غضبها قد تلاشى فتبدأ في التفكير في المشكلة الثانية وهي غيرتها من أمه وشعورها أنه يفضل أمه عليها، فتبدأ بأفكارها تحاول تغييرها فتقرأ وتسترجع مثلا النصوص التي تتحدث عن بر الوالدين خاصة الأم، وتقول لنفسها لو أنني أحب زوجي صدقا فلابد أن أعينه على بر أمه، وتتخيل نفسها مكان الأم وتتخيل لو أنها طلبت من ولدها طلبا ماذا تتمنى أن يفعل أو يسلك؟ ستشعر أن نفسها قد هدأت كثيرا وأن نفسها يعمها السكينة والتسامح والسلام.

لكنها ربما لا تزال تشعر ببعض الضيق وبعض الغيرة بصورة لا تقارن طبعا بما كانت تعانيه من قبل، فماذا عليها أن تفعل؟

رابعا: سوف تتخير وقتا مناسبا بعد عودة زوجها وتناوله لطعامه واسترخائه بعد يوم عمل شاق وتحدثه بنعومة ودلال (أدوات الذكاء العاطفي) وبلهجة هادئة لا تحمل نبرات الغضب والحنق وتقول له: حبيبي هل أحضرت كذا؟ أو يا .. وتناديه باسمه مرخما كنت قد طلبت منك كذا.(1)

أو لو أنها تريد أن تحكي عن مشاعرها التي يعتلجها الغضب فستقول له بنفس الطريقة السابقة: حبيبتك (وتذكر اسمها مرخما) غاضبة لأنها تشعر أنك نسيتها (ولا تقول لأنك دائما تنساها).

ماذا سيكون رد فعل الزوج الطبيعي في هذه الحالة؟ بالتأكيد سوف يتجاوب مع هذا الأسلوب الراقي الناتج عن الذكاء العاطفي، فالحياة الزوجية ليست ميدان مبارزة ولا حلبة لصراع الآراء والأفكار، فالجدل العقلي لن يحقق السعادة الزوجية، والمنتصر في هذه الصراعات مهزوم لا محالة عندما يفتقد الدفء الجميل.

إضاءة

ما قامت به أم سليم -رضي الله عنها- مع زوجها أبي طلحة نموذج حي ومتجسد للذكاء العاطفي، فعن أنس رضي الله عنه قال: "مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، فقال ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت فاحتسب ابنك. قال فغضب وقال تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما كان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، قال فحملت، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال يقول أبو طلحة إنك لتعلم يا رب إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا قال وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما فقالت لي أمي يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم"(2).

فأم سليم امرأة رائعة متكاملة من تلك المدرسة النبوية العظيمة التي أخرجت لنا نماذج نباهي بها التاريخ القديم والحديث.

فها هي أم سليم المؤمنة الصابرة المحتسبة تودع فلذة كبدها بثبات المؤمن فلاجزع ولا انهيار نفسي واكتئاب، ولم تظلم الدنيا في عينيها، وكيف تظلم وقد استضاء قلبها بنور الله.. تتجاوز أم سليم مصيبتها الشخصية وتفكر في زوجها أهم إنسان لديها فهو جنتها ونارها كيف تجعله هو الآخر يتجاوز هذه المحنة.. هي تعرفه ذا قلب رقيق ويحب طفله حبا قد يذهب بعقله فماذا تفعل؟ استخدمت ذكاءها العاطفي وفكرت بقلبها فمنعت أهله من أن يفاجئوه وهو في حالة جسدية ونفسية لا تسمح بذلك.. ثم هيأت له كل الاشياء التي يتمناها الرجل كي يهدأ ويسعد.. ثم حدثت عقله الهادئ بخطاب ديني حتى تهيئ فكره لما ستقوله.. وأخيرا أخبرته بالخبر الأليم.. فماذا كانت عاقبة ذلك؟ منَّ الله عليهما بولد آخر في الليلة ذاتها وهذا هو عطاء الله المنان.

ولنتأمل صبرها ولطفها مع زوجها وهي في أشد لحظات حياتها ألما حين ضربها المخاض، (بعض النساء هداهن الله قد تسب زوجها في هذه الأوقات) ثم لنتأمل حيويتها فهي تخرج للجهاد وهي تعلم أنها في أيام حملها الأخيرة ولاتشعر من حولها أنها مثقلة وعبء على الجيش الإسلامي، وهي في ذلك كله الأم الرائعة الحريصة ألا يرضع أحد طفلها حتى يحنكه الرسول بنفسه وبيده المباركة، فأي امرأة كانت هذه؟ وهل تتدارسها نساء الأمة؟


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟