دخول

لا تحزن.. فقد حججت وأنت في بلدك!

موقع أون إسلام

 يُروى عن عبد الله بن المبارك (رحمه الله) أنه خرج مرة إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم،، فأمر بإلقائه على مزبلة، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فكشف عن أمرها وفحص، حتى سألها، فقالت: أنا وأختي هاهنا، ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وقد حلت لنا الميتة، وكان أبونا له مال عظيم، فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ فقال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع. (البداية والنهاية لابن كثير، ج 13، ص: 611).

تقول بعض الروايات: حين عاد الحجيج ذهب ابن المبارك ليهنئهم بسلامه العودة، فقالوا له: نهنئك أنت يا ابن المبارك فقد كنت معنا في كل موقف وعند كل نسك!! فقال لهم هل رأيتموني؟ فيقولون له: نعم لقد هيأ الله سبحانه وتعالى ملكا على صورتك فحج عنك جزاء صدقتك على اليتامى.

كلما جاء موسم من مواسم الحج، وانطلقت أفواج الحجيج طائعة ملبية، ارتفعت حرارة المشاعر، وهاجت رياح الأشواق، وعلت أصوات المحرومين بالنداء:

يا راحلين إلي البيت العتيق لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا على عذر وعـن قدر ومن أقـام على عذر فقـد راحـا

هؤلاء الذين احترقت قلوبهم شوقا إلى بيت الله الحرام، وسالت دموعهم على خدودهم وهم يرون الحجاج يطوفون ويلبون، فلا تجد لهم سنا ضاحكا، ولا جفنا مغمضا، ولا بالا مستريحا، ولا نفسا هانئة.

هذا الصنف من الناس تعلقت قلوبهم ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت حنوا، وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا، فهؤلاء كالذين قال الله فيهم: "ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون" (التوبة 92).

يا راحلين إلـى منـى بقيـادي هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي

سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي الشوق أقلقني وصوت الحـادي

علم الله هذا من حالهم فمن عليهم بأعمال تثلج صدورهم، وتطفئ نار الشوق والحنين إلى بيت رب العالمين، فشرع لهم من الأعمال ما يعطيهم به أجر الحجاج والعمار، وهذه الأعمال كالماء البارد على الظمأ، وهي البلسم الشافعي والدواء الكافي التي تروي غليل القلوب المشتعلة شوقا لرؤية البيت العتيق، ومسجد الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، وإليك طرفا من هذه الأعمال:

1- أداء الصلاة المكتوبة في المسجد

أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة ومن مشى إلى صلاة تطوع (أي صلاة الضحى) فهي كعمرة نافلة".

وأخرج أبو داود من حديث أبي أمامة أيضا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين". (والمقصود بتسبيح الضحى: يريد صلاة الضحى وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة. ومعنى: لا ينصبه: أي لا يتعبه ولا يزعجه إلا ذلك).

فلا تتعجب من هذا الأجر، ولكن العجب كل العجب من يتوانى ويتكاسل عن هذا الأمر،، وانظر عندما يخرج المسلمون من بيوتهم متطهرين لأداء الصلاة المكتوبة في جماعة في المسجد وفي وقت واحد، ألا يشبه هذا خروج الحجيج من بيوتهم متوجهين بقلوبهم وأبدانهم إلى البيت المعظم لأداء مناسك الحج.

فعندما يجتمع الحجاج صغيرهم وكبيرهم لا تجد فرقا بين هؤلاء وهؤلاء، كذلك في الصلاة -صلاة الجماعة- يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير.. وهكذا؛ فيشعر الناس بأنهم سواء.

فكل من يحافظ على الصلوات يكون شريكا للحاج يوم حجه، فأجره كأجر الحاج المحرم، كما أخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وسلم).

فما أعظم أن يكتب لك هذا الأجر بجانب شهادة الله لك بالإيمان، وكفى بشهادة الله شهادة إذ شهد لمن عمر المساجد بالإيمان، فقال عز شأنه: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة". (التوبة:18)

2- الجلوس بعد الفجر وذكر الله تعالى

أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة".

فإذا جلست عن هذا العمل الجليل وهو الحج وذلك لعذر، فهاك الأجر فلا يفتك، إذا كنت صادق النية.

وعند الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة متقبلتين".

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن (حسنه الألباني) عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة وقال: من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين".

3- صلاة العشاء والغداة في جماعة

أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر (رضي الله عنه): "أن أناسا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أو ليس قد جعل الله لكم صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة، وصلاة الغدة في جماعة تعدل عمرة".

4- الأذكار بعد الصلاة

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): " أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال: يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال (صلى الله عليه وسلم): ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين".

قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة: "لما سئل عن كيفية ذكرهن قال: يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين".

5- حضور مجالس العلم في المسجد

فقد أخرج الطبراني والحاكم عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان كأجر حاج، تاما حجته".

6- الدعوة إلى حضور مجالس العلم

فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا".

فربما تدعو مسلما إلى درس علم، فيحضره، فتأخذ مثل أجره -أجر حاج تاما حجته- وربما تدعوه ولا تستطيع أنت الحضور لعذر ألم بك، فيذهب صديقك وتأخذ الأجر مثله.

7- عمرة في رمضان

فإن عجزت عن الذهاب إلى الحج لقلة النفقة فاجتهد أن تعتمر في رمضان، فإن هذا فيه ما فيه من الأجر فهو يعدل حجة مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقد أخرج البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: "ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ قالت: ناضحان كانا لأبي فلان -زوجها- حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي غلامنا. قال: فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي ".

وفي رواية أحمد والترمذي: "عمرة في رمضان تعدل حجة".

8- بر الوالدين

‌أخرج أبو يعلى بسند جيد أن رجلا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: "إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد".

وعند الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث أنس (رضي الله عنه) بلفظ آخر: "أنه أتى رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني أشتهي الجهاد وإني لا أقدر عليه، فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) هل بقي أحد من والديك؟ قال: أمي، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اتق الله فيها، فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد".

ولا عجب ولا غرور في ذلك، فأمتنا أمة مرحومة كتب الله عليها أعمالا هي صغيرة في العمل، ولكنها كبيرة في الأجر، ككلمة آمين خلف الإمام، وكليلة القدر، وكصيام يوم عرفة، وكصيام يوم عاشوراء، وكالذكر الذي هو غراس الجنة، وكالدعاء عند الانتهاء من الطعام، وكالسعي للجمعة.. وغير ذلك.

تتشبه بالحجاج!

لا تعجز أن تتشبه بالحجاج وانظر إلى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) الثابت في صحيح مسلم من حديث سعيد بن المسيب يقول سمعت أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) تقول: "قال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي".

وهذا فيه ما فيه من الشبه بالحاج لتعيش ما يعيشه الحاج من روحانيات جميلة.

قدم الهدي كل جمعة!

أما إذا عجزت أن تقدم الهدى في بيت الله الحرام، فلا تعجز أن تقدمه كل جمعة: فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".

الله يباهي بك

وإن عجزت أن تكون فيمن يباهي الله بهم الملائكة هناك -أي في عرفة- فلا تعجز أن تكون ممن يباهي الله بهم الملائكة هنا في مجالس الذكر: فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال:

"خرج معاوية على حلقة في مسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة".

فكفى بالذكر شرفا أن الله عز وجل يباهي ملائكته بأهله كما يباهي الملائكة بالحجاج.

وأخرج الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إن الله عز وجل يباهي بالحاج الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم".

اجتهد في العشر الأول

وإن عجزت أن تكون فيهم -أي في الحجاج- فلا تعجز في أن تجتهد في الأيام العشر الأول من ذي الحجة: فإن هذه الأيام المباركات أفضل أيام الدنيا، وهي من النفحات الربانية على الأمة المحمدية، وهي من مواسم الخيرات التي تتفاضل فيها الأعمال وتزداد، وهي أيام يشترك فيها القاعدون والسائرون إلى البيت العتيق، فمن عجز عن الحج فإنه يقدر أن يعمل أعمالا وهو في بيته أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.

أخرج البخاري من حديث ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام (يعني الأيام العشر)، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ".

وقد ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: "سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي العمل أفضل؟، قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور".

فقدم الجهاد على الحج في الفضل، وفي هذه الأيام العمل فيها أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.

وأخيرا..

أخي المحروم من الحج -وأنا مثلك- فلنكن كما قال القائل: "من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد، فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه من حبل الوريد".


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟