دخول

كنز الذاكرة قدرات ذهنية لا محدودة

موقع مفكرة الإسلام
 قدم الإمام البخاري رحمه الله إلى بغداد، فسمع به أهل الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لاسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس ان يلقوا ذلك على البخاري.وجاء البخاري في الموعد فحضر المجلس، فسأله أحد الرجال العشرة عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم ومن كان منهم غير ذلك يقضى على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم ثم انتدب الرجل الثاني والثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه.

فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع حتى اتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ واذعنوا له بالفضل.

قد يظن البعض أن مجرد حفظ 100 حديث بالسند والمتن مهمة مستحيلة، ولكن العقل البشري ـ عزيزي القارئ ـ لا يعرف تلك المستحيلات، فقد وهبه الله إمكانيات خارقة وقدرات لا حدود لها.

العقل .. النعمة المغبونة:

هل تعلم ـ عزيزي القارئ ـ كم مرة ذكر في القرآن لفظ العقل والفكر والتفكر ومشتقاتهم؟ ذكرت لفظة {تعقلون} في القرآن 24 مرة ، منها 13 مرة بصيغة {أفلا تعقلون} وهي صيغة استنكارية لأهمال البعض هذه النعمة العظيمة، وأما {يتفكرون} فقد ذكرت في 10 مواضع، و {يتدبرون} في موضعين.

وهذا مما قد يعجب منه البعض، ولكن في معرفة السبب بطلان للعجب، فهذا العقل نعمة عظيمة تحوي في طياتها أسرار وألغاز وإمكانيات عظيمة، يقول عنها الدكتور تومسون ـ وهو أستاذ في علم الأعصاب ـ:

(إن مقدرة الإنسان على التعلم وتخزين واستعادة المعلومات هي الطاهرة الأكثر روعة في العالم الحي؛ فكل ما يجعلنا بشرًا كاللغة والتفكير والمعرفة والثقافة هو نتيجة مقدرة الدماغ الاستثنائية).

وهذا ما أثبتته الدراسات الحديثة التي كشفت أن (دماغ الإنسان العادي يتسع لما يعادل برامج ثلاثة معاهد عليا "حوالي 150 مادة"، إضافة إلى مفردات ست لغات أجنبية، مع مائة ألف بند من بنود واحدة من الموسوعات الكبرى).

فتأمل ـ عزيزي القارئ ـ في نتائج دراسة أخرى أجراها دكتور من جامعة هارفرد الأمريكية عن العقل البشري وجمع بعضها في كتابه (علاج وقدرة بلا حدود)، حيث يقول:

(إن العقل البشري قدراته لا محدودة، وأن العلماء قالوا في الخمسينيات من هذا القرن: إننا كبشر نستخدم حوالي 50% من قدرات العقل، ثم قالوا في الستينيات: إننا نستخدم فقط 20%، ثم في السبيعنيات: إننا نستخدم فقط 10%، ثم في الثمانينيات: إننا نستخدم 5%، ثم في التسعينيات قالوا: إننا نستخدم 1%، حتى توصلوا أننا لا نستخدم أكثر من 0.1% فقط من قدرات العقل البشري!).

وتخيل معي ـ عزيزي القارئ ـ أن كل تلك الاختراعات التي توصلت إليها البشرية من الطائرات والسيارات والأجهزة الإلكترونية المعقدة، فضلًا عن النظريات العلمية المجردة التي قامت عليها تلك الاختراعات، كل هذا نتيجة 0.1% من العقل، فماذا إن استخدمنا 30% منه مثلًا؟! وكيف لو استخدمنا العقل بالطاقة الكلية 100%؟!

تحت المجهر:

ودعني ـ عزيزي القارئ ـ اقترب بك أكثر من هذا العقل فائق القدرة، وهيَّا بنا لننظر من خلال المجهر الإلكتروني فائق الحساسية على هذا العقل، لنرى العجب، فقد (اكتشف العلماء أن كل خلية في العقل مكونة من ملايين من الخلايا متناهية الصغر يطلق عليها اسم الخلايا العصبية، كما وجدوا أن جسم كل خلية عقلية بالغ التعقيد فضلًا عن أنه يملك مركزًا أو نواة وعددًا هائلًا من الفروع التي تنبع من المركز في كل اتجاه.

وفي النصف الأخير من القرن العشرين، اكتشف العلماء أن عدد خلايا العقل لا يقتصر على بضعة ملايين فقط، وإنما هو مليون مليون أو 1000000000000 خلية، أي أن عدد خلايا العقل في رأسك يفوق عدد سكان الأرض بـ 166مرة).

وحين تتأمل تلك الحقائق ـ عزيزي القارئ ـ لا تملك سوى أن تقول: سبحان الله على عظيم خلقه، ويا حسرة على من لم يستفد من تلك المقدرات الخارقة.

تفوقوا على الكمبيوتر:

وبتلك المقدرات الخارقة للعقل، نرى ـ عزيزي القارئ ـ في واقع الحياة، تجارب تنطق بعظمة تلك النعمة، نعمة العقل، فهذا رجل يدعى جاك أنيودي، لديه مهارة غريبة وهي إيجاد الجذر التكعيبي لعدد مكون من تسع أرقام، سأله عالم نفساني اسمه بينت أن يحلل الرقم 13411 إلى عوامله فأجابه جاك بعد ثلاث دقائق بالإجابة الصحيحة.

وكأني بك تقول: مقدرة خارقة حقًا، ولكن سيزداد إعجابك بذلك النموذج واندهاشك به، إن أدركت أن ذلك الرجل كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب!

ونموذج آخر يتمثل في عقل لا ينسى أسماء البشر، ألا وهو رئيس هيئة البريد الأمريكي السابق جيمس فارلي، فلديه شهرة بمعرفة أكثر من 20 ألف شخص بأسمائهم الأولى.

ونموذج ثالث من روسيا، لرجل يدعى سولون مينوف، حيث يحفظ المحاضرات والندوات عن ظهر قلب دون الحاجة إلى تدوينها، فعندما كان في العشرينات من عمره يعمل صحفيًا لدى إحدى الصحف المحلية، حضر مؤتمرًا مع مديره المباشر والذي لاحظ أنه لا يكتب أية ملاحظات البتة، ولما تحداه مديره أن يتذكر ما قيل في المؤتمر استطاع تذكر كل كلمة قيلت فيه.

أنت المبرمج:

ربما يظن البعض أن ما ذكرناه من أمثلة سابقة ضربًا من الخيال، أو طفرات لا مثيل لها، ولكن الحقيقة التي لا شكل فيها أن التعامل الأمثل الذي يجعلك تستفيد من قدرات عقلك اللانهائية يشبه كثيرًا تعامل المختصين ببرمجة الحاسب الآلي، فالقاعدة الأهم في ذلك هي (أنت المبرمج).

فأنت الوحيد من البشر القادر على هندسة عقلك وتصميمه على الشكل الذي تريد، (فعقلك ذاتي الإبداع، إن كل فكرة ترد إليك هي فكرة فريدة خاصة بك أنت وحدك، وهي تلائم شبكة من الأفكار الأخرى التي لم يكن لها أي وجود من قبل، والتي لن يكون لها وجود بعد ذلك أبدًا اللهم إلا داخل عقلك أنت، وسوف تتوالى أفكارك وتتكاثر بعد ذلك داخل الشبكة الخاصة الواسعة لذكرياتك المتنامي وخيالاتك وطريقة تفكيرك وأحلامك، أنت بالفعل سخص متفرد تمامًا وبشكل لا محدود).

وهكذا كانت عقول المبدعين من المخترعين والمتكتشفين والرياضيين والناجحين جميعًا على مر العصور، فكما تقول بطلة العالم السابقة في العدو ميرلين أوتي: (أعتقد أن العقل هو أقوى سلاح يمكن أن تمتلكه، ونحن إما أن نستخدمه لصنع المعجزات، وإما أن نسمح له بتدميرنا، وقد اخترت منذ عدة سنوات الطريق الأول)، لقد فجرت هذه المرأة طاقات عقلها الكامنة وأعلنت أنهم المبرجمة، وقد حان الوقت لك ـ عزيزي القارئ ـ لتعلن أنك المبرمج.

مفتاح الكنز:

ولكن كنز العقل الذي لا حدود لإمكانياته، يحتاج إلى مفتاح ذهبي، به نكشف النقاب عن جواهره ودرره المكنونة، وهذا المفتاح اسمه:

الذاكرة

ولكن كيف لنا أن نصل إلى ذلك المفتاح الذهبي؟

وما هي الذاكرة بالتحديد؟ كيف تعمل؟ وما هي أهميتها في جوانب حياتنا المختلفة؟

ولماذا ننسى أشياء قد وقعت للتو، بينما هناك أحداث موغلة في القدم لا تنمحي؟!

وما هي العناصر الرئيسية التي تلزمنا لنحصل على ذاكرة حديدية؟

وما هي أهم الأدوات والطرق التي تساعدنا على الحفاظ على ذاكرتنا حتى لو تقدم بنا العمر؟

وما هي الطريقة السحرية لحفظ وتذكر الأرقام والأسماء؟

كل هذه الأسئلة ـ عزيزي القارئ ـ هي محطات رحلتنا نحو مفتاح الكنز، الذاكرة الحديدية، فانتظرنا في المقالات القادمة.


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟