دخول

آداب الطالب

موقع مفكرة الإسلام
 إن من أجل نعم الله تعالى على المسلم، هي أن يرزقه طلب العلم، فأنت أيها الشاب حينما يمن الله عليك بحفظ كتاب الله، أو حضور درس في العلم، تكون من ضمن الحاملين على عاتقهم مهمة تبليغ هذا العلم.
 
الآداب لماذا؟
إن كلمة الآداب (أصبحت من الكلمات المهجورة هذه الأيام، فالآداب التي نتحدث عنها هنا ليست هي الاهتمام باختيار الشوكة المناسبة لاستخدامها عند تناول الطعام أو أماكن وضع أكواب الماء على الطاولة، فالأخلاق الجيدة من الأشياء التي لا تخطئها العين، فعندما يعاملك أحدهم بكياسة بدلًا من الفظاظة، فإنك ستشعر بإحساس جيد حيال نفسك، ستشعر بأنك محل احترام وتقدير، وعندما كنت طفلًا صغيرًا ربما كان والداك يركزان على بعض السلوكيات التي ربما تبدو مهجورة اليوم، وبعضها كذلك بالفعل يجب أن نساعد شباب اليوم على فهم أنهم لا يعيشون في هذا العالم وحدهم، وأن كل واحد منهم مهم، فإن مستقبل الشباب ونجاحهم سيتحسن كثيرًا باعتماد السلوكيات المناسبة) [تنشئة المراهقين، لين هاجنز-كوبر، ص(117)].
والشاب المسلم حينما يطلب العلم، ويعلمه للناس أن يتحلى ببعض الآداب، وأن يظهر هذا العلم على جوارحه، فالعلم والعمل يكملان بعضهما، ومن هذه الآداب التي يجب على الشاب المسلم أن يتحلى بها:
 
أولًا: لزوم الإخلاص:
الإخلاص قلب العبادة وروحها وأحد شرطي قبول العمل عند الله تعالى قال سبحانه:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [متفق عليه]. 
ولأن طلب العلم الشرعي ـ كما تقرر من قبل ـ عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أجل القربات، لذلك امتنع أن يقبل إلا بإخلاص القصد في طلبه لله رب العالمين.
ولقد تنوعت عبارات السلف رحمهم الله في تعريف الإخلاص إلا أن المعني الجامع لها: أن يكون الباعث على العمل هو ابتغاء مرضات الله سبحانه وحده .
ومن أطايب كلام السلف في معنى الإخلاص:
( قيل: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة , وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين , وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله , وقال بعضهم: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله، ولا مجازيا سواه ) [المجموع القيم من كلام ابن القيم, منصور بن محمد المقرن، ص (235-236)].
 
وقال سهل رحمه الله: ( الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة، وقيل له: أي شيء أشد على النفس؟ , فقال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب) [إحياء علوم الدين, الغزالي, (4/402-403) باختصار].
 
الإخلاص في العلم: 
إن الحرص على المال والشرف يفسد الدين أشد من إفساد ذئبين جائعين لقطيع من الغنم ،انفردا به في غفلة عن الراعي ،وهذا كما لو كان المرء يطلب بهذا العلم الشريف رياسة أو منصبا أو جاها مستبدلا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتفصيل ذلك في هذا المثال الرعيب الذي يضربه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد قال فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال جرئ وقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قيل كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ وقد قيل فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل قد وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قيل كذبت ولكنك أنفقت ليقال جواد، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)[صححه الألباني, صحيح الترغيب والترهيب, (1/22)].
قال ابن جماعة رحمه الله: (حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالي والعمل به، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرض لما أعد الله لأهله من رضوانه وعظيم فضله , قال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد على من نيتي. 
ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصدره في المجالس، ونحو ذلك، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
قال أبو يوسف رحمه الله: يا قوم، أريدوا بعملكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.
والعلم عبادة من العبادات، وقربة من القرب، فإن خلصت فيه النية قبل وزكا، ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته، وربما تفوته تلك المقاصد، ولا ينالها فيخيب قصده، ويضيع سعيه) [تذكرة السامع والمتكلم, ص (69-70)].
 
نماذج من اعتناء السلف بالاخلاص:
قال بشر بن الحارث رحمه الله: ( رأيت مشايخ طلبوا العلم للدنيا فافتضحوا، وآخرين طلبوه فوضعوه مواضعه وعملوا به وقاموا به فأولئك سلموا فنفعهم الله تعالى ... ولقد رأيت أقواما سمعوا من العلم اليسير فعملوا به، وآخرين سمعوا الكثير فلم ينفعهم الله به ) [حلية الأولياء, أبو نعيم, (8/349)].
وعن عون بن عبد الله قال: (كان الفقهاء يتواصون بينهم بثلاث وكتب بذلك بعضهم إلى بعض: ( من عمل لآخرته كفاه الله دنياه , ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته , ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس) [تهذيب الحلية, (2/27)].
وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: (يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون ؟ فقال: يا بنى ! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة) [العقد الفريد, لابن عبد ربه, (2/94)].
 
ثانيًا: تقوي الله في السر والعلن:
إن تقوي الله تعالى هي ثمرة مباشرة لتعلم العلم الشرعي، لأن الإنسان كلما ازداد علما بالكتاب والسنة إزدادت معرفته بربه وجلاله وعظمته، وصفاته الحسني وأسمائه العلى، فيورثه ذلك تقوى الله تعالى وخشيته في السر والعلن، ولذلك يقول تعالى:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر : 28].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به, لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى, كلما كانت المعرفة به أتم والعلم أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) [تفسير القرآن العظيم, ابن كثير, (4/ 26)].
 
ما هي التقوي؟
المعني الجامع للتقوى: هو أن يأخذ العبد وقايته من سخط الله عز وجل وعذابه، وذلك بامتثال المأمور واجتناب المحظور , قال الحافظ ابن رجب رحمه الله (وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه , فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك )[جامع العلم والحكم، ابن رجب، ص (148)].
 
العلم ثمرة التقوى:
وكما أن تقوي الله تعالى من ثمرات تعلم العلم الرباني، فإن العلم أيضا ثمرة مباشرة لتقوى الله تعالى، بل شرط من شروطه، كما قال تعالى:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : 282].
ولا شك أن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد معرفة وفرقاناً بين الحق والباطل، والضار والنافع، وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم؛ لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فإنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام، ويستطيع الآخر أن يستخرج أكثر من هذا بحسب ما أتاه الله من الفهم.
ويدخل في ذلك أيضاً الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس فبمجرد ما يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق، أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم على الشخص وهو لم يعاشره، ولم يعرف عنه شيئاً بسبب ما أعطاه الله من الفراسة) [آداب طالب العلم, ابن عثيمين, ص (23)].
 
ماذا بعد الكلام؟
ـ وأنت تطلب العلم سواء كنت ذاهب إلى الكلية أو إلى مسجد لطلب العلم الشرعي، استحضر النية الصالحة وابتغاء الثواب من عند الله سبحانه وتعالى.

مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟