دخول

وداعًا للاعتماد على الآباء!!

موقع مفكرة الإسلام

 أحمد( 15 سنة):
أمي، أمي!
أرجوكي تعالي كي تساعديني!
الأم: ماذا هناك يابني؟
أحمد: لا أعرف كيف آكل هذه السمكة!!
تعالي بسرعة كي تخرجي لي اللحم من بين هذا الشوك الخبيث؟!!
الأم: حاضر يا ولدي، لا أدري حتى متى سأظل أعد لك طعامك وأرتب لك ثيابك وأشرح لك دروسك!!
أحمد: مادمتِ أمي ، فلابد أن تفعلي لي كل هذا!!!!
إنها مأساة كل بيت يعيش فيه الأطفال تحت سيطرة الأمهات أو في ظل حمايتهم الزائدة، إنها الصورة التي توضح لكم معاشر المربين ماهي نتيجة التربية على الإعتمادية والاتكالية، إنها حقيقة النمو البطيء للاستقلالية والاعتماد على النفس.
دراسات وأبحاث تنذر بالفاجعة!
(بينت بعض الدراسات أن أنماط السلوك المبكرة في الاعتمادية أو الاستقلالية ترتبط بأنماط السلوك عند الكبار في مرحلة الرشد حيث وجدت علاقة صغيرة في السنوات الثلاث الأولى من سلوك الإعتمادية في تلك المرحلة ومرحلة الرشد، أما في سنوات ما قبل المدرسة يبدأ السلوك في الاستقرار، وفي الوقت من 6- 10 سنة يمكن التنبؤ بكيفية الإعتماد والاستقلال في الرشد فالأطفال الذين كانوا معتمدين في سن6 سنوات كانوا أميل لأن يكونوا سلبيين ومعتمدين في الرشد) [علم نفس النمو، د.سيد محمود الطواب ص(254)].
قد لا يدرك الآباء خطورة الاعتمادية التي يعيش بها أطفالهم حتى بعد أن جاوزا سن الطفولة وبدأوا في مرحلة المراهقة، ولكن هذه الغفلة عن تلك الفاجعة لن تلبث أن تتمخض عن معرفة واضحة متمثلة في ذلك الطفل الذي لم يعد طفلًا، بل قد بدأ خط من الشعر ينبت تحت أنفه وهو مع ذلك كله لايزال معتمدًا على والدته متكلًا عليها في كل أفعاله, فكما أوضحت تلك الدراسات أن الاعتمادية والبعد عن الاستقلال في سن الرشد تتناسب طرديًا مع الاعتمادية في سن الطفولة.
إن من المُسَلَّم به عقلًا أن درجة الاعتمادية تقل تدريجيًا كلما جاوز الطفل مرحلة الطفولة واقترب من المرحلة التالية لها، ولكن إذا كانت هذه الاعتمادية ثابتة مهما كبر سن الطفل فإن هذا ينذر بكارثة، ويهدد بخطر كبير.
خطورة الحماية الزادة وتأثيرها السلبي على شخصية الطفل:
نقصد بالحماية الزائدة: (قيام أحد الوالدين أو كلاهما نيابة عن الطفل بالمسؤوليات التي يفترض أن يقوم بها الطفل وحده، حيث يحرص الوالدان أو أحدهما على حماية الطفل والتدخل في شؤونه، فلا يتاح للطفل فرصة اتخاذ قراره بنفسه وعدم إعطاءه حرية التصرف في كثير من أموره : كَحل الواجبات المدرسية عن الطفل، أو الدفاع عنه عندما يعتدي عليه أحد الأطفال.
وهذا الأسلوب بلا شك يؤثر سلبا على نفسية الطفل وشخصيته, وإليك عزيزي المربي بعضًا من هذه الآثار:
1. ينمو الطفل بشخصية ضعيفة غير مستقلة.
2. يعتمد على الغير في أداء واجباته الشخصية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية ورفضها.
3. انخفاض مستوى الثقة بالنفس وتقبل الإحباط.
4. نجد هذا النوع من الأطفال الذي تربي على هذا الأسلوب لايثق في قراراته التي يصدرها ويثق في قرارات الآخرين ويعتمد عليهم في كل شيء.
5. ويكون نسبة حساسيته للنقد مرتفعة.
وسنجد هذا الطفل عندما يكبر يطالب بأن تذهب معه أمه للمدرسة حتى مرحلة متقدمة من العمر يفترض أن يعتمد فيها الشخص على نفسه، وتحصل له مشاكل في عدم التكيف مستقبلا بسبب أن هذا الفرد حرم من إشباع حاجته للاستقلال في طفولته ولذلك يظل معتمدا على الآخرين دائما [تربية الطفل في الإسلام، سيما راتب عدنان أبو رموز بتصرف يسير].
أنظر إليه عندما أصبح رجلًا!!
وحتى تدرك الأم خطورة السيطرة على تصرفات الطفل أو والحماية الزائدة وكلاهما يحول دون الاستقلال ويؤخر نموه لدى الطفل، لابد أن تتخيل الأم هذا الطفل الذي سيصبح في يوم من الأيام رجلًا له زوجة وأولاد، هل تصورت ولو للحظة واحدة كيف سيكون هذا الرجل في بيته؟ كيف سيكون اعتماده على غيره؟ ما هي درجة تماسك شخصيته وثقته بنفسه وتحمله للمسؤولية؟ بالتأكيد لو أنها فكرت ولو للحظة واحدة ستغير طريقتها في التعامل مع طفلها وتكون أكثر نضجًا، وحتى يقترب المعنى ويتضح المقال نسوق إليك أيتها الأم المثال:
(أرادت "إلا" دائمًا أن تكون هي القائدة ولم تسمح لزوجها ستانلي باتخاذ القرارات وكان ستانلي شخصًا ضعيفًا ومترددًا لأنه نشأ تحت جناح أم شديدة التحكم والسيطرة، فقبل بسلطة زوجته، وضرب لأبنائه مثلًا سيئًا، وبكل أسف فإن " إلا" عاملت أولادها بالطريقة نفسها التي عاملت بها ستانلي فكانت تملي عليهم ماذا يرتدون وماذا يأكلون ومن يقابلون.
كان الأولاد وهم الآن في عمر المراهقة يشعرون بأن آراءهم لا قيمة لها، من خلال اتخاذ كل القرارات حرمت " إلا" أولادها من الثقة بالذات والاستقلالية والتحفيز الذاتي، سيكونون على الدوام محرومين من مهارات التفكير والتخطيط واتخاذ القرارات وكل ما يلزم للنجاح في الحياة.
عزيزتي الأم:
على الرغم من شعورك بأنك تعرفين ما هو الأفضل لطفلك فمن المهم أن تعدي ابنك أو ابنتك للتفكر والتدبر, ولاتخاذ القرارات وحل المشكلات باعتماده على نفسه، وهذه العملية تبدأ في الأعوام الأولى وهي مهمة للنضج العاطفي والانفعالي.
إن الكثير من الأطفال في عمر ما قبل المدرسة لديهم ما يحبون وما لا يحبون، وهي مسئوليتك أن تزودي صغيرك بفرص متنوعة ليصنع خياراته ثم احترام تلك الخيارات واظهار تقديرك لأفكار طفلك.
مثال للتربية الإيجابية على الاستقلال والمشاركة:
تحادثت (براندا) مع (لندسي) طفلتها ذات الأربعة أعوام قائلة "سوف نقيم حفل شواء يوم الأحد مع أصدقاء بابا لكنك قد تدعين واحدا من أصدقائك لينضم إلينا "كيفين" وأمه وأباه , أو "جاكلين" وأهلها، أي الأسرتين تفضلين أن نتصل بهم؟
في اليوم السابق للحفل سأل والد (لندسي) هل تحبين مساعدتنا في وضع قائمة الطعام؟ يمكننا أن نتناول اللحم أو الدجاج ، البطاطس المحمرة أو الذرة؟ هل تعرفين ما الذي تحب جاكلين أن تتناوله؟
عندما سمح والدها لها بأن تلعب دورًا حيويًا في التخطيط للحدث الأسري، شعرت بأهميتها وتابع والدها الأمر من خلال قبول قراراتها) [الأسرار السبعة للتربية المثالية، شيلي هيرولد ص(201-203)].
إن الطفل عندما يشعر أن رأيه ذو قيمة، بل ربما يؤخذ به في كثير من الأحيان فإن هذا ينمي لدى الطفل ثقته بنفسه من جانب، ويكوِّن شخصيته المستقلة من جانب آخر، ولإن كانت الكتب المترجمة حفلت بمثل هذه النماذج السليمة للتربية على تقدير الذات واستقلال الشخصية فإن السنة النبوية سبقت وفاقت كل الأبحاث وأكدت تلك الحقيقة التربوية قبل أن يولد هؤلاء المفكرون الغرب.
وليس هناك دليل أبرز ولا أدل من قصة عبد الله بن عمر مع النخلة.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ، قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ قَالَ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) [متفق عليه].
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي صحابته على إبداء الرأي، وأراد عبد الله بن عمر أن يستقل برأي ما جال في نفسه وكان هو الصواب.
ولكنه استحى من وجود الكبار في المجلس حيث كان في المجلس أبو بكر وعمر ولم يتكلما، فصحح له عمر هذا المفهوم، وقال له: لأن كنت قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا، وبين له أن احترام الكبير لا يتعارض مع إبداء الرأي والجرأة في عرض وجهة النظر.
هكذا علم النبي صلى الله عليه وسلم صحابته المشاورة وإبداء الرأي، وهكذا تعلم عبد الله بن عمر من والده أن يبدي رأيه، وأن يستقل به، وأن هذا لايتعارض مع الأدب والإحترام.
وداعًا للحماية الزائدة ووداعًا للنصائح في غير موضعها:
(يستمتع الآباء بإعطاء أطفالهم النصائح، فنحن نود أن نعالج مشكلاتهم بدلًا منهم، ونود أن نحميهم من خطر اتخاذ أي قرار غير صائب، ونود أن نجيب على تساؤلاتهم ولا نترك لهم فرصة إيجاد بدائل خاصة بهم، وفي أغلب المواقف هذا يعد غير مؤذ، ولكن في بعض الأحيان يكون مؤذ هناك أوقات يحتاج فيها الطفل إلى التفكير لنفسه قبل التصرف ودورك هنا هو أن تعلمه أن يفكر قبل اتخاذ أي خطوة يحتاج البالغون للتفكير من أجل أنفسهم عندما يواجهون ضغوطا من أقرانهم أو عندما يتخذون قرارات بشأن نتاول أشياء ضارة أو بخصوص المشكلات الدراسية التي تواجههم.
يحتاج الأطفال لتدريبات لحل مشكلاتهم منذ الصغر حتى يكون لديهم الخبرة الكافية للتغلب عليها عند البلوغ فبدلًا من تقديم الحلول لمشكلاتهم عليك بتعليمهم كيفية التوصل لبدائل، وسوف تساعدك الأسئلة التالية في توجه تفكير طفلك عند اتخاذه لأي قرار:
ماذا فعلت؟
مالذي تنوي فعله؟
ماهي القاعدة التي تحتكم إليها؟
هل قمت بالاختيار الصحيح؟
هل كان ذلك قرارًا صحيحًا؟
ما الشيء الذي قمت بإنجازه على نحو مختلف؟
ماذا ستفعل في المرة القادمة؟
عليك بتوجيه الطفل للتفكير من أجل نفسه عندما يصبح يافعًا , عليك بإعطاء أطفالك الاختيارات وأن تشيد بقراراتهم الصائبة وأوضح لهم النقاط التي يمكنهم من خلالها تحسين قراراتهم قدم لهم المساعدة ليتمكنوا من معرفة بدائل لقراراتهم وسلوكهم عليك بتعليمهم كيف يختارون ويحددون مستقبلهم) [كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك، د.سال سيفير، ص(308-309)].
أهم المراجع:
1. علم نفس النمو، د.سيد محمود الطواب.
2. تربية الطفل في الإسلام، سيما راتب عدنان أبو رموز.
3. الأسرار السبعة للتربية المثالية شيلي هيرولد.
4. كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك، د.سال سيفير.


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟