دخول

كم أُذن لديك 2

موقع مفكرة الإسلام
 إننا جميعًا نحب من ينصت إلينا، ونشعر في كنفه بالسعادة والتقدير، ولا نرى أجمل من أذن تصغي إلينا بهدوء ووقار، فتخرجنا من حزننا وغضبنا وإحباطنا، إن الإنسان حين يستمع إليه الآخر فإنه يحب هذا الآخر، بينما عدم الاستماع إليه يؤدي به إلى الإحباط، فكلما استمعت لابنك زاد قربه منك وحبه لك.
 
النبي القدوة:
يقول الله تعالى في كتابه واصفًا المنافقين: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة: 61].
(لقد لاحظ المنافقون هذا الخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألا وهو الاستماع والإنصات للآخرين، ولما كان المنافقون لا يعلمون ولا يفقهون؛ أرادوا أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: {هُوَ أُذُنٌ} أي يسمع من كل من يقول له.
فيرد الله عليهم فيقول:{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ}أي يسمع ما فيه خير لكم، ولا يقر إلا بالحق، ولا يقبل إلا الخير والمعروف، لا أذن شر لكم أيها المنافقون.
ثم تتابع الآية:{يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ} ولعل الآية توحي إلينا أن الاستماع والإنصات للآخرين رحمة بالناس.
ولعل هذه الآية تجعلك تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، وتجعلك تستشعر مدى المصيبة التي أصابت الأمة حينما فقدت هذا القلب الكبير، وهذه الأذن المصغية المستمعة لمشاكل الناس وهمومهم.
 
فالناس تحتاج بشدة لمن يستمع إليها، لمن تحكي له مشاكلها، وهمومها، وإنجازاتها، حتى أنت أيها القارئ الكريم، تحتاج لمن يستمع لك، وتبثه آمالك وآلامك.
واسمح لي أن أوجه لك سؤالًا: إذا حدث وقابلتك في يوم من الأيام فأيهما تفضل!! أن أظل أتحدث أنا إليك وأنصحك وأوجهك، وأنفرد بالحديث كله، ولا أترك لك فرصة للكلام، أم تريد أن تحاورني وتناقشني، وتحكي لي عن حياتك وإنجازاتك ومشاكلك، وتأخذ برأيي في بعض الأمور؟ بالتأكيد ستختار الاختيار الثاني.
 
فلماذا ننسى أحيانًا ونحرص على الانفراد بالحديث، وعرض آرائنا، وعدم إتاحة فرصة للآخر لكي يتكلم أويعلِّق، إننا بذلك نخسر الأشخاص) [سحر الاتصال، محمد أحمد العطار، ص(39)].
 
الثناء الصامت:
لعلك أيها الوالد تبتكر بعض الأفكار من أجل أن تحفز ابنك وتشجعه لمواصلة عمله وغرس السلوكيات الإيجابية فيه, ولكن هل تعرف أن استماعك لابنك يعد من أفضل المدح الذي قد تقدمه له، يقول جاك وود فورد: (قلَّ من البشر من يصمد أمام الثناء الذي يتضمنه الإنصات باهتمام) [كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، ص(99)]، أي أن أفضل ثناء تثنيه على الشخص أن تنصت له باهتمام، ولذا فالانتباه هام جدًا، وأنت تستمع لولدك، فأنت حين تستمع له ولا تكون منتبهًا معه؛ تعطي له انطباعًا أنك غير مهتم به، وأنك لا يعجبك كلامه، وأنك تريد إنهاء الحديث معه بسرعة، وقد تسبب له جرحًا في مشاعره، مما يؤدي في النهاية إلى نقص رصيدك عند ولدك، وبعد ذلك تتدهور العلاقة بينك وبينه.
إن الاستماع للآخرين باهتمام؛ يفتح لك آفاقًا من معرفة الشخص الآخر، وفهم شخصيته، والإحاطه بأوضاعه وظروفه، وهذا بدون شك يعطيك مفتاح التأثير في الشخص، وتغييره للأفضل.
 
لذا فالاستماع للآخرين إذا كان مهمًا لأي شخص بقيراط؛ فهو مهم للآباء بأربعة وعشرين قيراطًا، فهم المسئولون عن التأثير في أبنائهم وتغييرهم للأفضل، فالوالدان طبيبان لقلوب أبنائهما، وعليهما أن يستمعا للحالة جيدًا حتى يستطيعا تشخيصها.
آثار عدم الاستماع:
إن عدم الاستماع لولدك، والاهتمام به عندما يتحدث له آثار سلبية فمن آثاره:
(1. قد يؤدي عدم حسن الإصغاء إلى فقد ثقة الآخرين واحترامهم لك، فعندما يتحدث معك إنسان وتتشاغل عنه بالاتصال بالتلفون أو الحديث مع جليسك أو الكتابة في أوراقك تصيبه بالإحباط وبالتالي عدم الثقة فيك، وقد أثر عن الأحنف قوله: (إن الرجل ليحدثني بالأمر أعرفه من قبل أن تلده أمه فأصغي إليه حتى ينتهي من حديثه وأريه أني أسمعه لأول مرة).
 
2. عدم فهم ما يريده الآخرون، وبالتالي الفشل في التعامل معهم؛ لأن النجاح في التعامل مع العدو أو الصديق يستدعي معرفة مراده، ولا يُمكن فهم مقصده ومراده إلا بالإصغاء لكلامه والتركيز في فهمه.
 
3. إضاعة كثير من الفرص التي تؤدي إلى النجاح في الحياة حيث أن الفرص تتاح للإنسان من خلال الاحتكاك بالآخرين وفهم كلامهم واستيعاب مقاصدهم ومراميهم، فإذا فشل الإنسان في الإصغاء لهم فشل في فهمهم، والتالي فاته الكثير من الفرص.
 
4. اتخاذ القرارات الخاطئة بسبب نقص المعلومات ؛ لأن القرار لا يُمكن أن يكون صحيحاً إلا إذا كانت المعلومات كاملة وصحيحة.
 
5. شعور المتحدث بالإحباط لعدم الإصغاء إليه، وبالتالي عدم استعداده للمشاركة بفعالية فيما يناط به من أعمال بعد ذلك) [حتى لا تكون كلًا، عوض القرني، ص(81-82)].
 
يجب أن تعلم أيها الوالد أنك عندما تستمع لأولادك فأنت بذلك تهتم بهم، (فأنت من خلال السماع التام لأبنائك تبعث برسالة لهم مفادها "أنتم جديرون حقًا بالاستماع إليكم"، كما أنك بهذا تزيد احترامهم لذواتهم لشعورهم بأهمية ما يقولون.
 
فإذا جاءك الابن محدثًا في أمر، أو باثًا لشكوى، أو مشاورًا في أمر مما يخصه، فعليك بالسماح له بالجلوس إليك، وتوفير الراحة النفسية له بكل السبل، ثم البدء في الاستماع إليه، أطلب منه أن يحكي لك كل ما يريد من البداية إلى النهاية، استمع إلى ما يقول دون مقاطعة بأي كلمة، واعلم أن هذا ما يحتاجه الابن على الحقيقة، إنه في حاجة إلى من يستمع إليه في حاجة إلى من يمنحه أذنًا صاغية لك ما يشكو منه.
وجزء أساسي من الاستماع الجيد هو الانتباه لتفاصيل ما يقول الابن وعدم التعجل بافتراض الفهم المسبق لما سيسرده الابن، بال الاستماع الجيد والكامل، فإذا انتهى الابن من حكايته، فأخبره أنك متفهم لما يشعر به، فتهدأ نفسه، فإذا هدأ تمامًا، فتكلم معه عما يمكن القيام به للخروج من هذه المشكلة التي حكاها، لك، أو كيف يمكن تحقيق الطلبات التي طلبها منك، فإذا أخبرك بما يجب أن تساعده فيه، فابدأ على الفور بمد يد عونك له) [اللمسة الإنسانية، محمد محمد بدري، ص(49)].
 
الشعور القوي بالانتماء:
لعلك تتمنى أن يرتبط ابنك بأسرتك، وأن تكون الأسرة المكان الأول الذي يتلقى فيه تربيته ويعبر فيه عن آرائه ومشاعره، (فمن خلال الاستماع إلى الابن نقوي شعوره نحو الانتماء لأسرته، لذا يجب أن نسمع إلى ما يقول الابن أولًا قبل أن نخبره بما يجب عليه أن يفعل، كما يجب أن نشجعه على الحديث معنا بحرية وبدون مقاطعة منا سواء كانت هذه المقاطعة لتصحيح كلمة أو معلومة خاطئة، ولندعه يكمل سرده إلى نهايته مع الاهتمام بأن تكون ملامح الإعجاب بادية في وجهنا أو في بعض الأصوات الصادرة عنا مثل (أم أم) أو (هيه) أو بعض الكلمات السريعة مثل (عظيم – رائع – جميل – أحسنت) أو عبارات قصيرة مثل (هذا فعل طيب...) وهكذا.
 
وعدم مقاطعته لا تعني ألا نجيبه على أسئلته أثناء حديثه، بل إن هذه الإجابات تؤكد له أننا نصغي إليه باهتمام وانتباه، وتوحي إليه بأن أفكاره ذات قيمة، وأنه شخص محترم الأمر الذي يمنح الطفل الإحساس بأهميته، وبالتالي، يجعله هذا الإحساس يشعر بالانتماء لأسرته ويتجاوب بطريقة إيجابية معنا) [سياسات تربوية خاطئة، محمد ديماس، ص(73-74)].

ماذا بعد الكلام؟
ـ لعلك الآن أيها الوالد الفاضل تريد أن تسأل سؤالًا "كيف أكون مستمعًا جيدًا لأبنائي؟"، والجواب عند الدكتور عوض القرني فيرشدك إلى بعض الخطوات العملية:
(1. ألاً يكون هناك ضوضاء وأصوات مزعجة في المكان الذي تجلس فيه مع طفلك.
3. أن تكون جلستك مع طفلك وأنت تصغي إليه جلسة مريحة تستطيع أثناءها أن تركز بجميع حواسك مع ولدك لتستوعب أكبر قدر ممكن من كلامه.
4. ركز على حركات جسم المتحدث وتعابير وجهه ونبرات صوته لترسخ معاني كلامه في نفسك وليكون فهمك لما يريد أكثر دقة.
6. لا تقاطع ولدك وتستعجل النتائج قبل الوصول إليها وعندما يحصل التباس في الفهم فسجل ذلك ثم استوضح عنه في نهاية الحديث.
7. لا تكثر من الالتفات والتثاؤب والتشاغل والسرحان بعيداً أثناء الحديث) [حتى لا تكون كلًا، عوض القرني، ص(83-84)، بتصرف يسير].

مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟