دخول

كيف تقوي إرادتك، وتسيطر على ذاتك؟

موقع مفكرة الإسلام

 (عندما يحل قيظ النهار محل نداوة الصباح، وعندما تئن عضلات ساقيك تحت وطأة الإجهاد، عندها يبدو التسلق وكأنه بلا نهاية، وفجأة يعم الهدوء الذي كنت تتمناه، عندها يجب أن تمضي قدما ولا تتردد).
داج هامرسك جولد.

فالإرادة القوية، والالتزام والمثابرة هي الضريبة التي لا بد أن يدفعها كل سائر على درب النجاح والامتياز كما قدمنا في المقال السابق، لذلك فنريد في هذه المرة أن نتعرف على الوسائل العملية التي بها يستطيع الإنسان أن يقوي في نفسه عادة الالتزام، ويمتلك الإرادة القوية، والعزيمة الماضية التي تدفعه قدما نحو تحقيق أهدافه.

الوسيلة الأولى: تدريب النفس:
فالإرادة كالعضلة سواء بسواء، يمكن أن تُنَمَّى بالتدريب والمران، وعادة الالتزام إنما تكتسب بالتدرج؛ والمثابرة أمر عظيم في تنمية قوة الإرادة، فكما قال رسول الله r: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).[ صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (1368)]
والفكرة العامة التي تنبني عليها تمرينات تقوية الإرادة هي أن تُكره نفسك على فعل أشياء لا تحبها، بل هي ثقيلة عليها، ورويدًا رويدًا تألف النفس المكروهات، ولا تعود تجزع من ملاقاة العقبات والصعاب.
وما من شيء يذكي الهمة، ويقوي الإرادة مثل الجهد الثابت الذي يحقق الإنجاز، وانظر إلى (الوزير الإنجليزي وليام كاري، فعلى الرغم من حصوله على التعليم الابتدائي فقط، فقد كان قادرا على قراءة بعض الكتب بست لغات بمجرد أن بلغ مرحلة المراهقة، ونظرا لبراعته فيما يتعلق بإتقان اللغات اختير وهو في أوائل العقد الثالث من عمره لزيارة الهند، وبعدها بسنوات قلائل صار أستاذا للغات الشرقية بجامعة فورت وليام بمدينة كالكتا.
ولقد استغل أيضا موهبته في إجادة اللغات لكي يشتغل بالنشر، حتى إن مطبعته بمدينة سيرامبور طبعت الكثير من الكتب بمختلف اللغات واللهجات لما يزيد على 300 مليون نسمة.
إلى أي شيء نسب كاري نجاحه؟ كيف تمكن من تحقيق إنجازاته؟ أجاب كاري بقوله: إنه حقق هذه الإنجازات لأنه كان كادحا، وقال كاري واصفا نفسه: أي شيء يزيد عن هذا سيكون مبالغا فيه، أنا قادر على الكدح، فتلك هي عبقريتي الوحيدة، وأستطيع المثابرة في أي مهمة محددة، ولهذه القدرة التي أتمتع بها أنسب كل إنجازاتي)[لليوم أهميته، جون ماكسويل، ص(167)].
فالإرادة في حقيقتها شجاعة في مواجهة العقبات، يدفع إلىها الصبر الذي هو بدوره القدرة على حبس النفس على مكروهاتها، كما قال رجل لعنترة ـ أشجع فرسان العرب في الجاهلية ـ : (ما السـر في شجاعتك ... وأنك تَغِلب الرجال؟! قال عنترة: بالصبر، فقال الرجل: كيف؟
قال عنترة: ضَع إصبعك في فمي وخُذ إصبعي في فمك! فوضعها في فم عنترة، ووضع عنترة إصبعه في فم الرجل، وكلُّ عضَّ إصبعَ صاحبه! فصاح الرجل من الألم ولم يصبر، فأخرج لهُ عنترةُ إصبعه، وقال: لو أنك صبرت لحظة لصـرخت أنا قبلك، وبهذا غلبت الأبطال) [لاتحزن، عائض القرني، (2/117-118)]، أي بالصبر والاحتمال.
وإليك بعض هذه التمرينات التي تساعدك إن شاء الله على تدريب عضلة الإرادة لديك:
تمارين تقوية الإرادة:
1ـ ممارسة رياضة المشي:
عوِّد نفسك على أن تمشـي مسافات طويلة، فالمشـي وصفة سحرية لتقوية الإرادة، وقد جربها أناس كثيرون وأجمعوا على أثر المشي في تقوية إرادتهم، حاول أن تقطع 42 كيلو مترًا مشيًا في يوم واحد، هذا من شأنه أن يعلي من إرادتك بشكل كبير.
ولكن لا تبدأ بهذا المعدل الكبير، ابدأ مثلًا بأن تمشـي كل يوم لمدة ساعة (متوسط سرعة الإنسان العادي 6كم/ ساعة) لمدة أسبوع، ثم في الأسبوع الثاني لمدة ساعتين يوميًّا، ثم في الثالث تمشـي ثلاث ساعات يوميًّا، وهكذا حتى تصل إلى 42كم (وهي مسافة الماراثون) في يوم واحد، وستفاجأ أن إرادتك قد زادت إلى حد بعيد بعد هذا البرنامج التدريبي الممتع.
2ـ ضبط ساعات النوم:
درِّب نفسك على ألا يزيد عدد ساعات نومك على ست ساعات في اليوم، فقلة ساعات النوم دليل واضح على قوة الإرادة، وذلك بأن تقسر نفسك على الاستيقاظ فور النداء عليك أو سماع جرس المنبه؛ فإن في هذا الاستيقاظ السريع ما يشعر المرء بإرادته.
3ـ تمرينات بسيطة:
هناك أشياء بسيطة يمكنك فعلها لتُمرِّن نفسك على قوة الإرادة مثل:
أ ـ ضع في تمهل وأناة مائة عود من الثقاب في صندوق عودًا عودًا، ثم قم بإخراجهم ثانية من الصندوق عودًا عودًا كذلك، وكرِّر هذا التمرين لمدة خمس مرات متتالية، والمهم في هذا التدريب أن تتحرى التمهل والأناة.
ب ـ قف على كرسي وذراعك متشابكتان فوق صدرك، وامكث هكذا خمس دقائق، وإن ثابرت على هذا الوضع فإنك تكتسب إرادة نافذة حقًّا.
جـ ـ أحضر عشـرة أو خمسة عشـر زرًّا أو ما شابه ذلك، وأحصها بصوت مسموع وكرِّر إحصاءها لمدة خمس دقائق.
وتستطيع أن تبتكر بنفسك عددًا من التدريبات المماثلة، وأن تزاول كلًّا منها لمدة عشرة أيام ثم تنتقل إلى غيره، وهكذا.
4ـ حرمان النفس من شيء اعتادته:
هذا أيضًا دافع قوي للإرادة؛ أن تحرم نفسك من شيء اعتادته أو تحبه، فإنك تستشعر بذلك أنك أكثر سيطرة على نفسك، ومن الوسائل الرائعة لذلك الصيام مع احتساب الأجر عند الله تعالى، ففي الصيام تحرم نفسك من الأكل طوال اليوم، ولاشك أن هذا يُقوِّي إرادتك، وهذه من الأسباب التي تجعلنا نشعر أننا أكثر سيطرة على أنفسنا أثناء الصيام.

ولذا؛ فقد قال r: (والصوم جُنَّة) [صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2616)].

أي درع ووقاية لمن هَمَّ بارتكاب الذنوب أو اقتراف المعاصي، وقال r: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). [متفق عليه]
والصوم مثال فقط، وإلا فإن هناك أشياء كثيرة تستطيع أن تحرم نفسك منها؛ لتستشعر سيطرة أكبر على نفسك؛ فقد تحرمها من اللعب بلعبة على الحاسب الآلي مثلًا، أو تحرمها من أكلة معينة تشتهيها بشدة، أو تعودها الجوع عمومًا، كل هذا من شأنه أن يزيد من قوة إرادتك.
الوسيلة الثانية: القدوة الحسنة والصحبة:

إن القراءة في سير الأنبياء والصالحين والعظماء والنابغين من ذوي الهمم العإلىة، والإرادة الحديدية، من شأنها شحذ الهمم وتقوية الإرادة بطريقة كبيرة، ولذا؛ فحري بك أن تقرأ في سير هؤلاء الأفذاذ وأن تتأسى بهم، ولقد أمر الله رسوله بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء، وأمرنا أن نقتدي برسول الله
 

فعلى كل من يريد أن يعلي همته، ويشحذ إرادته أن ينظر إلى صحابة رسول الله r وإلى أصحاب الهمم العالية من صالحي هذه الأمة، ثم يختار النموذج الذي يشعر أنه يناسبه ليقتدي به في حياته.
وأنت حينما تقرأ في سير الصحابة والصالحين من بعدهم تستشعر أن هناك شخصية معينة أو بعض الشخصيات تميل إلىها وتشعر بالقرب منها؛ فعليك بالبحث عن هؤلاء ليكونوا نموذجًا لك في رحلتك نحو النجاح.
الوسيلة الثالثة: صحبة ذوي الهمم العالية:
وبالإضافة إلى القدوة فأنت تحتاج إلى صحبة صالحة من ذوي الهمم العالية من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والشباب المتدينين لتتطبع بطباعهم الحسنة، وبخصالهم الحميدة وبهمهم العالية وإرادتهم الفولاذية، وقد أمر الله نبيه r بأن يصبر نفسه مع أمثال هؤلاء، فقال: ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ [الكهف: ٢٨]، وهكذا يا طالب النهوض، اصبر نفسك مع الصالحين والزمهم.
فإن درجة إرادتك بل درجة إيمانك ودينك على درجة من تصحبه، قال رسول الله r (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4833)]، وكما قال الشاعر:
أنت في النـاس تقــاس بالذي اخترت خليلًا
فاصحب الأخيار تعلو وتنــــل ذكرًا جميلًا
وصدق الشاعر، فعليك أن تصحب في الدنيا الأخيار، وبمثل هذا قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهما: (إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه).
بل لقد وضعها رسول الله r قاعدة واضحة صريحة، فقال: (لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي). [حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4832)].
وقال عمر بن الخطاب : (ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخٍ صالح، فإذا رأى أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به).
وصحبة هؤلاء المجدِّين المتيقظين للدقائق والثواني، كان له عظيم الأثر في همة مثل الإمام ابن جرير الطبري، وابن عقيل الحنبلي، وابن عساكر الدمشقي، وابن تيمية وابن القيم، وابن النفيس والمزني، والذهبي وابن حجر، وأضرابهم في غزارة إنتاجهم.
فالحريص الموفَّق الذي يريد المعالي، لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين وأولي الفضل والمجاهدة والحكمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريبًا منهم، إن صحبة هؤلاء تُعلِّم منافسة الزمان، وصحبة البطاليين تُعلِّم تضييع الزمان.

إذًا فعليك أيها القارئ الكريم؛ لكي تقويِّ إرادتك أن تصحب أهل الصلاح وذوي الهمم العالية، وأن تبتعد عن أهل الفراغ والنفوس الضعيفة وأصحاب الذنوب والمعاصي.

أهم المراجع:
1- العادة الثامنة، ستيفن كوفي.
2- لليوم أهميته، جون ما كسويل.
3- حتى لا تكون كلا، د.عوض القرني.
4- لا تحزن، د.عائض القرني.
5- قوت القلوب، أبو طالب المكي.


مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟