دخول

الحب الأبدي

موقع مفكرة الإسلام
 هل صحيح قول من يقولون: (إن الزواج مقبرة الحب)؟ أو أن الحب يموت بعد الزواج؟
إن الحب الحقيقي هو الحب الذي يولد بعد الزواج، وينمو ويترعرع ويضرب بجذوره في أرض الحياة الزوجية، ويُسقى بماء العطاء والتسامح والتفاهم، والتعامل بمبدأ (المنفعة للجميع)، و(أفوز أنا وتفوز أنت).
 
إنها ليست مصارعة:
الحياة الزوجية ليست حلبة صراع بين الأزواج، من يفوز ومن يخسر؟! ولكن الزواج ميدان للبناء، ومشاعر الأزواج مشاعر بناء، ولذلك سُمي الزواج في الإسلام "بناء"، فيه يدخل الإنسان في بناء نفسه وبناء أسرته، ولذلك تجد أبعد الناس عن الأمراض النفسية والعصبية هم أهل الاستقامة من المتزوجين، وأقرب الناس إلى الأمراض النفسية والاضطرابات هم أهل الانحراف والفساد.
والحب بين الأزواج (إخلاص وصفاء ونقاء، الحب عهد ورسالة ومبدأ، الحب ماء الحياة بل هو سر الحياة، وبالحب تصفو الحياة وتشرق النفس ويرقص القلب، وبالحب تُغفر الزلات وتُقال العثرات وتُشهر الحسنات، ... ويوم ينتهي الحب؛ تضيق النفوس ويكون البغض والمشاحنة والمشاكل) [مجلة الفرحة، العدد 90، ص(59)].
فالحب ببساطة شديدة (هو الميل إلى الآخر، وعندما يشعر أحد الزوجين أن الآخر يميل إليه؛ فإنه يسمع منه الرسائل التالية: أنت مهم بالنسبة لي، فأعتني بك وأحميك، أنا مهتم بما تواجه في الحياة، وسأكون رهن إشارتك عندما تحتاج إليَّ، وهناك مكونات أساسية لأي علاقة مبهجة ورائعة، وهي الحب والحنان، الذي يرمز إلى الأمان والحماية والراحة والاستحسان) [مستفاد من: بالمعروف ... حتى يعود الدفء العاطفي إلى بيوتنا، د.أكرم رضا، ص(48)].
 
مودة ورحمة:
قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}  [الروم: 21].
إنها آيات تنطق نورًا ورقة، في هذه الآية الجميلة معنى أن الله تعالى يجمع بين زوجين وقلبين، فيجعل بينهما مودة في العلاقة العاطفية، والمودة أقوى من الحب الفطري بين الرجل والمرأة، (ورحمة) من الناحية السلوكية، تضفي على الحياة رقة وسعادة.
(والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين؛ وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة.
ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجًا، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأنسًا للأرواح والضمائر واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (5/485)].
ومن الغريب أننا نجد الزوج والزوجة وهما غريبان عن بعضهما، إذا بالصلة تقوى بينهما، فيكونان ألصق اثنين ببعضهما في جوٍّ من المحبة والمودة والرأفة، لم تكن بين الزوجين قبل الزواج، وإنما حدثت هذه المودة والرحمة بعد الزواج، الذي شرعه الله تعالى بين الرجال والنساء.
 
مشاعر مرجوة:
كثيرة هي تلك المشاعر التي ينشدها الأزواج في ظل حياة الزوجية، إنها مشاعر تنادي بها فطرتهم وطبيعتهم البشرية، مشاعر متناسقة أودعها الله في الحياة الزوجية بالرباط المقدس، وجعلها غاية الرجال والنساء على السواء في حياتهم الزوجية، ونذكر منها:
 
السكن:
والسكن أمر نفسي، وسر وجداني، يشعر به الإنسان بالسعادة والأنس، وفي التقاء الزوجين يجدان مشاعر السكن والاطمئنان، والأنس والاستقرار؛ لذلك تجد الله تعالى يقول: {أَزْوَاجًا}، ولم يقل (نساء) في الآية، أي (لا يتحقق السكن إلا من علاقة زواج، لا يتحقق إلا إذا تحولت المرأة إلى زوجة، فإذا لم تكن زوجته؛ فإنه من المستحيل أن تصبح سكنًا حقيقيًّا له.
ولذلك لا تصح العلاقة بين الرجل والمرأة إلا بالزواج، ولا يمكن أن ينعم الرجل بالسكن إلا من خلال الزواج.
وجاء السكن سابقًا على المودة والرحمة، إذ لابد للإنسان أن يسكن أولًا، ويتقدم إلى زوجة ويتزوجها ليتحقق السكن، فإذا قام السكن جعلت المودة والرحمة.
والكلمة الربانية البليغة: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، أي أن الله هو الذي جعل، ولم يقل: (جعل لكم)، وإنما (بينكم) وهي تعني أنها مسألة تبادلية يتبادلها الزوج والزوجة، ولا تتحقق إلا من الطرفين) [مستفاد من: حتى يبقى الحب، د.محمد محمد بدري، ص( 298-302)].
 
سحر الأعين:
فعلًا من يفتقدون الحب في العلاقة لا تجد لعيونهم ذلك البريق المعبِّر عما يجيش بالصدور من محبة، أما من ساد الحب أجواء حياتهم الزوجية؛ فستلحظ فيها حتمًا ذلك البريق.
إننا عندما نحب (نتحول نحو الأفضل، يلمع بريق الحب في عيوننا، وتغمرنا السعادة، تعلو وجوهنا الابتسامة، ونكون لطفاء إلى أبعد الحدود في تعاملنا مع شريك الحياة، ونصبح أكثر رفقًا به، نصير أكثر قدرة على العمل والإنجاز، وأكثر سعيًا نحو أهدافنا) [بلوغ النجاح في الحياة الزوجية، كلوديا أنكمان، ص(251)، بتصرف].
 
الاعتراف الجميل:
سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي أحب الناس إليك؟ فقال اسم امرأة، قال: (عائشة)، قيل له: من الرجال؟ قال: (أبوها) [متفق عليه]، لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم حرجًا من البوح بمشاعر الحب تجاه زوجته وحبيبته بنت الصديق رضي الله عنهما.
وتخيل معي لفتة الحب في مشهد صعب كمشهد وفاة الرسول، قالت عائشة: (تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، وفي نوبتي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه) [رواه البخاري].
 
يا عائش:
نجد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مشاهد تعبِّر عن روعة الحب في حياة الزوجين الرائعين؛ الرسول صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة.
فكان صلى الله عليه وسلم (يقرأ القرآن في حجر عائشة، ويلعق أصابعها بعد الأكل، ويغتسلا سويًّا في إناء واحد، ويتسابقان خلف القافلة حيث لا يراهما أحد، ويدللها ويناديها: (يا عائش) [متفق عليه]، كيف نصف هذه الحظات؟ إنها لحظات من الحب النادر، لم تمنعه أعباء الدعوة ولا تبعات الجهاد، ولا مكر الأعداء ولا الوقوف الدائم بين يدي الله، من أن يتفنن صلى الله عليه وسلم في إظهار مشاعره في كل لفتة أو همة) [حتى يبقى الحب، محمد محمد بدري، ص(314)].
وهكذا يريد كلٌّ من الزوجين من شريكه، يريد أن يترجم الحب إلى واقع عملي، ليس مجرد كلمات وشعارات؛ لأن العمل والسلوك هو المعبِّر الحقيقي عمَّا تكِّنه النفس من محبة.
 
الحب المختلف:
اتفقنا سابقًا أن الرجال والنساء يختلفون في كل شيء؛ {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36]، وكذلك الحال هنا حتى في الحب، وفي الحاجات العاطفية والودية.
فالرجل يحتاج (إلى الحب الذي يحمل معه الثقة به وقبوله كما هو، والحب الذي يعبِّر عن تقدير جهوده وما يقدمه، بينما تحتاج المرأة إلى الحب الذي يحمل معه رعايتها وأنه يستمع إليها، وأن مشاعرها تُفهم وتُقدر وتُحترم) [التفاهم في الحياة الزوجية، د.مأمون مبيض، ص(21)].
فاعلم أخي الزوج أنه بالنسبة للمرأة لا شيء أهم من المشاعر، فإدخالها في مشاعر إيجابية يعني أنك تعرف كيف تدير "سيكولوجيتها"، والمصدر الأول لأمان المرأة هو حب الرجل الحقيقي، فإذا شعرت بحب زوجها اطمأنت.
والرجل قد يختلف عن المرأة في هذه النقطة، فالحب عنده أفعال، وقد يهمل التعبير عن المشاعر، ويظن أن ذلك لن يسبب مشكلة لشريكة حياته المتلهفة لسماع كلمة حب رقيقة منه.
إن المرأة تكون بحال جيدة حينما تشعر أنها محبوبة، وحينما تكون علاقتها بشريك حياتها على ما يرام، (أما حين تشعر أنها غير محبوبة، أو بأنها غير ذات أهمية، وأنها وحيدة؛ فإن كل تلك العوامل سموم، تحطم روح الأنثى في قلبها، ولذلك فإن من جوانب السرور التي يستلطفها النساء معرفة مكانتها عند الأزواج، والتعبير عن مشاعرهم تجاههن، وإلحاحهن في طلب ذلك، والتأكيد عليه والشوق إلى سماعه مرارًا وتكرارًا دون ملل) [حتى يبقى الحب، د.محمد محمد بدري، ص(248)].
 
ماذا بعد الكلام؟
هذه بعد النقاط العملية التي من شأنها زيادة الحب بين الزوجين:
1-    تبادل الهدايا وإن كانت رمزية.
2-التوازن في الإقبال والتمتع، وهذه وسيلة مهمة، فلا يُقبل على الآخر بدرجة مفرِطة، ولا يمتنع عن صاحبه بالكلية، وفي الإفراط في الأمرين إعدام للشوق والمحبة، وقد ينشأ من هذا الكثير من المشاكل في الحياة الزوجية.
3-التفاعل بين شريكي الحياة في وقت الأزمات؛ كأن تمرض الزوجة أو تحمل فتحتاج إلى عناية حسية ومعنوية، أو يتضايق الزوج بسبب ما؛ فيحتاج إلى الدعم المعنوي.

مواقيت الصلاة

الاشتراك في القائمة البريدية

 

شاركونا على Facebook

استطلاع رأي

استطلاع رأي

بعد انقضاء ثلث رمضان هل أنت راضٍ عن أداءك فيه ؟